
الأستاذ سي ناصر عبد الحميد
تحصل البحث الذي قدمه أستاذ الفلسفة بشير خليفي من جامعة معسكر على المرتبة الثانية في مسابقة قطر العالمية لحوار الحضارات لعام 2019، لما يحتويه من عمق في التحليل، ودقة في التوثيق حول إشكالية العلاقة بين الشرق والغرب وذلك من خلال كتابه المعنون بالمهاجرون المسلمون في الغرب بين التزامات الهوية الدينية ومقتضيات المواطنة ومن يقرأ هذا الكتاب يستشف حقا هذا العمق والدقة في التحليل والسلاسة في مناقشة الإشكالية واللغة الجميلة التي تبناها الكتاب.
لهذا سنعمل نحن من خلال هذا المقال إلى مناقشة الفكرة الأساسية للكتاب، والتي ارتأينا أن نجلب الانتباه إليها فنعيد بذلك توجيه النقاش من زاوية مختلف قد تساهم في توسيع دائرة النظر في هذه الإشكالية التي حاول هذا الكتاب المتميز تسليط الضوء عليها من جهة وتصويب شكل التعاطي معها من جهة أخرى، للإدلاء برأينا حول فكرة حوار الحضارات التي دخل ضمنها إشكالية الكتاب.
يعالج الكتاب إشكالية الهجرة أو هجرة المسلم بوجه الخصوص، للعالم الغربي، باعتبارها فعل انتقالي من مساحة جغرافية شكلت الحالة الثقافية للفرد المهاجر المسلم و رتبت في ذهنه سلم القيم و النظرة للحياة، من خلال مجموعة عناصر كالتاريخ والدين، اللغة، العادات، التقاليد …، إلى مساحة جغرافية مغايرة تختلف ثقافيا بشكل كلي عن الأولى، بغرض اقتصادي أو علمي أو اجتماعي في مجمل الأحيان أو كما اصطلح على تسميتها في الكتاب بعوامل الطرد.
ليجد نفسه هذا المهاجر أمام جملة من العوائق و الإشكالات وصلت به، على المستوى النفسي بالدرجة الأولى، إلى درجة الإشكالات الوجودية، حين أضحت تصوراته الدينية و العقدية و الثقافية الاصلية في تماس مباشر مع المرجعيات الفكرية و الثقافية و العقدية للوسط الجديد الذي اختاره بوعي أو فرضته عليه الأسباب و العوامل التي دفعت به نحو اختيار هذا الفعل، أي الهجرة. و أمام هذا التجاذب يجد نفس المهاجر المسلم إلى الضفة الأخرى أمام تحدي موضوعي.
حيث يجد نفسه مطالب بالالتزام بشروط هذا الوسط الذي اختاره مكان للعيش، و خاصة شرط المواطنة باعتبارها، فلسفة و محور حياة المجتمعات الغربية التي تبنتها كرؤية لوجودها السياسي من جهة و كعقد اجتماعي متفق عليه يحكم سلوك و تصرفات افراد المجتمع الغربي، يخضع اليه كل مواطن يعيش تحت كنف الدولة العلمانية المعاصرة التي جعلت من المسائل الدينية حرية شخصية لا علاقة لها بالشأن العام، انطلاقا من تجربتها التاريخية التي شكلتها الصراعات بين الكنيسة و المجتمع.
ففكرة الحق والواجب، التي هي جوهر مفهوم المواطنة، هي ما يجب أن يحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع في الرؤية الغربية، كونها الصورة الأسمى التي استطاع العقل الغربي، التوصل اليها في تهذيب العلاقات الاجتماعية داخل الدائرة الاجتماعية الواحدة، وعليه يجب على المهاجر، أن يخضع لها ويصطف الى صالحها كي يستطيع العيش داخل هذه المجتمعات بشكل سلس وطبيعي.
إلا أن هذه الانسجام المشروط، الذي تفرضه فكرة المواطنة على المهاجر، دونه الكثير من المعوقات، في نظر الأستاذ بشير خليفي، خاصة العائق الثقافي – الديني اللغوي …- سواء من قبل المهاجر المسلم نفسه، الذي ينتمي من حيث الأصل، كما سبق ذكره، لثقافة مخالفة كليتا لثقافة الوسط الذي اختاره موطن له، يسعى، في الوقت نفسه، جاهدا للمحافظة عليها، بحكم أنها تشكل كينونته الوجودية و انتمائه العاطفي من خلال المحافظة على تدينه و لغته و عاداته و تقاليده و لباسه.
مما دفع به نحو التناقض الصريح بين وجدانه و مشاعره الداخلية و واقع الوسط الذي اضحى موطنه، ليتسبب هذا التناقض في كثير من الأحيان في بروز بعض الإشكالات العويصة خاصة من قبل بعض المنتسبين لهذه الفئة من ذو المستوى التعليمي المتدني من أبناء الجيل الثالث من المهاجرين، كأعمال العنف و التصرفات الغير مسؤولة المناقض كليتا لما تفرضه قيم المواطنة على المنتمين الى حيزها الحضاري.
فيتحول ذلك الى صدام عنيف بين هذا الأخير وبين الدولة المستقبلة باعتبارها الحامي لقوانين العلمنة التي تحكم المجتمع الغربي، لينعكس ذلك على حياة المهاجر، فيفقد الشعور بالطمأنينة و الرحة النفسية التي سعى لتحقيقها من خلال هجرته وطنه والابتعاد عن الاهل و الاصحاب. وقد شهدت الساحات الغربية مثل هذه الصدمات العنيفة، يأتي على رأسها حادثة 11 سبتمبر 2001 التي ذهب ضحيتها 2977 قتيل 25000 جريح حسب الإحصائيات الرسمية، كما شهدت فرنسا وبعض البلدان الأوروبية مثل هذه الاعمال الإرهابية العنيفة أيضا.
أو سواء من قبل المجتمعي الغربي نفسه وما اصطلح على تسميتها بالاسلامفوبيا، وخاصة اللوبيات الضاغطة والرافض لهذا الوافد الجديد الذي اضحى، في نظرها، يشكل على المجتمعات الغربية خطرا ثقافيا ودينيا وحتى اقتصاديا، فأضحت بذلك، تتهم المهاجر المسلم بعدم قدرته على الانسجام مع مبادئ العلمانية، وترى في ثقافته تهديد لها، وخير دليل على هذا أفكار، اليمين المتطرف في فرنسا الرافض لكل ما هو عربي إسلامي.
والذي عاد يهدد دائما بطرد المهاجرين الى بلدانهم الاصلية، ولعل النظرية التي قال بها اليميني الفرنسي رونو كامي”Renaud Camus”و التي اطلق عليها اسم “الاستبدال الأعظم” تشرح جيدا هذا القلق و التخوف من الهجرة الجماعية للمسلمين الى الغرب على الهوية المسيحية لأوروبا و التي ترى أن هذه الهجرة الجماعية ستغير مستقبلا من الديمغرافية الغربية لصالح المهاجرين المسلمين، مما سيحول أوروبا و الغرب من المسيحية الى الإسلام.