ما قل ودل

السيدة نفيسة تستضيف “البُهْرة” الشّيعة -الفاطميّة- المُسْتعْليّة

شارك المقال

تابَعت حَدث افتتاح مسجد السّيدة نفيسة الأثري بالقاهرة بعد ترميميه وتطويره الذي أشرف عليه الرئيس المصري عبدالفتاح السّيسي مع السّلطان مفضّل سيف الدين (زعيم طائفة البُهرة الإسماعيلية-الشيعية) من الهند الثلاثاء الأخير، وقد قلّده الرئيس المصري وشَاح النّيل.

ومنذ سنوات تقوم جماعة البُهرة والتي تعني لغوياً “التجار” بترميم وتطوير آثار آل البيت بالقاهرة، ومعالم الدّولة الفاطمية، طبعاً الحدث بالنسبة لنا قد نقرأه بقراءات مختلفة، وربما هناك في العالم العربي من يربطه بالتمدّد الشيعي.

ولكن القاهرة التّاريخية هي فضاء ثقافي تعدّدي منذ الفتح الإسلامي وهي رؤية يشترك فيها بعض نُخب الأزهر الشّريف اليوم في القبول بالطّوائف الدّينية والتّعايش، كما أنّ السّياحة تقتضي ذلك، ويُرحّب بالإنفاق التّطوعي الخيري الوطني والدولي لتطوير وترميم هذه الآثار التّاريخية،

و ما لفت انتباهي النّقاش والندوات الإعلامية حول تاريخ الإسماعيلية الفاطمية والشيعة وتاريخ ومآثر السّيدة نفيسة الحسنية –رضي الله عنها-,وكان الإعلاميّون والمؤرخون والمثقفون يحفَلون بهذه المرحلة التاريخية الفاطمية كجزء ذهبي من تاريخ مصر.

ولم تكن الرؤية المذهبيّة العقدية تجعلهم يمزّقون تاريخهم بمقاسات عقدية أو سياسية، غير أن الغريب من إخواننا المصريين إغفال كلّي للمرحلة التّأسيسية والنّشوء الأوّل للدّولة الفاطمية (الإسماعيلية) في شمال إفريقيا (إيكجان –سطيف- والقيروان والمهدية) قبل انتقال المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر.

مما يعتقد المتلقِّي أن النّشأة والبداية كانت مصر، هذا التّمصير التّاريخي الذي يُغفل هذه المرحلة يُعطي معلومة ناقصة أو مشوهة تعمّداً، كما أنّ بعض المتدخّلين في بعض القنوات المصرية يتحدّث عن الشيعة الإمامية ظناً منه أنهم لا يختلفون عن السّبعية (الإسماعيلية) وهي مثل بعض قنواتنا التي يتصدّر فيها للتاريخ والمعرفة والعلوم مَنْ بضاعته مزجاة.

تذّكرت ما كتبه الشيخ المهدي البوعبدلي عن لقائه في الهند مع البُهرة وحديثه عن الفاطميين، وكان حدثني وزير الثقافة الأسبق الكاتب عزالدين ميهوبي عنهم وعن رغبتهم في زيارة الجزائر لزيارة المواقع الأثرية الفاطمية كان ذلك في زمن توزيره.

كان افتتاح المسجد حَدثاً سياسياً وثقافياً وسياحياً لنقاش تاريخي وعَقدي ومذهبي بالتأكيد فيه الفائدة وبسْط المعلومة أمام الرّأي العام وجعل الفضاء العام يَعي النّقاش كقيمة ثقافية وحضارية.

والاعتزاز بالوطنيّة والتّاريخ يكون بمعرفة التحوّلات الكبرى وآثارها التي تمتد إلى المستقبل، أما ما قام به الأيوبيون السنة ضدّ الفاطميين من سجن وتشريد وتقتيل فهو سياق تاريخي له ظروفه وأسبابه، وهذا حاضرهم اليوم هو امتداد لهذا التاريخ في تعدّده واختلافه وتناقضاته وليس أن يعيشوه بحرب نفسيّة وأحلام لا تنتمي إلى حاضرهم ولا تؤمِّن مستقبلهم.

تمنيت لو أننا فتحنا مجالات النقاش عندنا بعد فتح مسجد كتشاوة رمز المقاومة الثقافية والوطنية، ومسجد أبي المهاجر دينار، وبعد ترميم ضريح عبدالرحمان الثعالبي، ننتظر بتلهّف ترميم آثارنا المعلّقة مثل مساجد قسنطينة وسيدي يعقوب بولهاصة (تموشنت) وغيرها من المعالم التي يلفّ بعضها الأهمال.

كما أن تشجيع ترميم الآثار الإسبانية والتركية يكون ضمن استراتيجية سياحية واقتصادية، وتذكّرت حين افتتاح كنيسة القديس أوغسطين بعنابة تحت إشراف المرحوم بن صالح رئيس مجلس الأمة سنة 2013، وشارك في ترميمه هيئات وطنية ودولية،.

وقبل هذا كان الملتقى العلمي الدولي المتميّز الذي أشرف عليه بوعياد ثم عبدالمجيد مزيان رحمهما الله من أفضل اللقاءات الدّولية حول هذا الفيلسوف الجزائري وقد حضره كبارُ المختصين من العالم.

وأتذكّر كذلك أضرحة أجداد أغلب الأفارقة من التيجانيين والقادريين الكنتيين والسنوسيين والرحمانيين الموجودة بتوات وتلمسان وغيرها من بقاع الجزائر، وكيف يمكن الاهتمام بها وصيانتها وتخصيص هيئات لها؟.

إنّ الأمكنة كائنات جمالية تتكلّم وتفرح وتحزن ولكن على من يسْكنها أو يجاورها أن يُدرك لغتها وأسرارها يعيش بها وتعيش من أجله.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram