ما قل ودل

محمّد أركون:(وكم مِن مرّة نَدفِنه خارج بَلدِه الأصلي!)…أتباعُه وخُصُومُه، والورشات الفِكريّة المفتوحَة؟

شارك المقال

إنّ “الأركونيين” في سَوادهم يَجدون في نصوصه مُتكأ لصراعهم الأيديولوجي وبعض هلوسَاتهم تجاه الدّين فيُسيئون لقِدّيسهم دون دراية أو يحرِّفون بعض أفكاره.

إنّ التذّكر وإعادة الإحياء قد يكون اعترافاً ووفاءً أو تجديداً لالتزام نهجه ومبادئه، لكن في حالة استدعاء العلماء والفلاسفة والأدباء الذين غادرونا اعتراف بما جادَت به عقولهم وقرائحهم وليس الاعتراف تكرار ما قالوه دون نقدٍ وتمحيص وفهْم السّياقات التّاريخية الفاصلة بيننا وبين المحْتفى به.

ولذلك قد تكون الذّكرى الإيجابية تقديم أعمال نحو الذين غادرونا نشرح ما لم يُفهم في زمنه أو نستدرُك عليه ما فاتَه أو نوسِّع ما أجمَلَه أو نجيب عن أسئلتِه العالقَة.

ومحمد أركون هو من الذين تركوا نوافذَ مفتوحة للبحث والاستمرار وقد كان يَنفرُ ويفرّ من الشّراح المسلمين أو المستشرقين الذين يُجيدون صناعة التّثبيت الدّوغمائي الأرثذوكسي ويغلقُون النّصوص بمتونٍ يُقدّسونها.

وقد كانت مهمّته الوجوديّة والإبستمولوجيّة في تفكيك ما دعاه “بالسّياج المعرفي” الذي يَحُول دون استثمار العِلم والمعرفة الإنسانيّة -الاجتماعيّة- في تفكيك الموروث الذي أبدعه أجدادُنا في زمنهم وِفْق سِياقاتٍ تاريخيّة.

هذه خطوة منهجية تربوية وقيْميّة نتعلّمها منه فلا نكون مُريدين لأركون مُكبّلين أمام أفكاره ونكرّرها وأحياناً دون فهْم أعمق أو دِراية بما انتقده من معرفة إسلامية في القرن الرابع الهجري وبما أخذه على المستشرقين وبعض دراسي القرآن الكريم من الغربيّين.

إنّ “الأركونيين” في سَوادهم يَجدون في نصوصه مُتكأ لصراعهم الأيديولوجي وبعض هلوسَاتهم تجاه الدّين فيُسيؤون لقِدّيسهم دون دراية أو يحرِّفون بعض أفكاره، ومنها مسألة قراءته الفيلولوجية اللسانية السّيمائية للقرآن الكريم من حيث دلالاته وكتابته وجمعه وكيف وصل إلينا؟.

فمحمد أركون لم يكن من فرقة دارسي القرآن الذين سعوا جَهدهم من أجل إثبات أصوله المسيحية واليهودية والسّريانية أو أنه تأليف جماعي، لم يكن يَهمّه الأصول ولكن إعادة قراءته بشروط معرفيّة قديمة وجديدة والتحرّر من بعض التّفاسير التي كانت استجابة لعصرها وخصوصياتها العلمية السياسيّة.

وهذا الموضوع اختصاص الآن في دول غربيّة واطلاعه على بعض ما أثمرته الدراسات القرآنية الإستشراقية منذ القرن التاسع عشر وبالخصوص كتاب “تاريخ القرآن” لنودلكه سمح له أن ينتقد بعض نتائج هذه البحوث ويستفيد منها.

ولذلك علينا في الكتابة عن الموروث الأركوني أن يكون الإلمام بهذا الاختصاص عند غيرنا، وقد ظهرت أعمالٌ جديدة بعد وفاة أركون تمكّنُنا إما أن نُثريَ نتائج بحوثِه أو ننتقدُها ونتجاوزُها (يمكن هنا ذكر الفرنسي كلود جيليو وجبرائيل سعيد نيرولدز الأمريكي).

المسألة الثانية: هل وسَمت التّربية المسيحيّة التي عاش في كنَفها أركون حياتَه وأفكارَه ورؤيته للعالم؟ كان المنعطف في مسَاره رعاية (الآباء البيض) له في وهران التي انتقل إليها والده تاجراً وتعلّم هناك اللغة العربية المستعملة من خلال احتكاكه بالوهارنية.

وكانت الرّعاية الثانية مِن الذي أطلق عليه في كتاب جديد عنه “المسلم الكاثوليكي” لوي ماسينون (عرضناه سابقاً في الخبر) الذي تبنّاه وأنكر مالك بن نبي وهي الغُصّة التي بقيت تؤلم صاحب “شروط النهضة” لأنه حُرم من الانتماء إلى جامعة السّوربون، عكس أركون الذي عاش أزهى حياته في هذه الجامعة العريقة طالباً وأستاذاً.

الأبوّة الثّلاثية (الآباء البيض، وماسينيون، والسوربون) تربية تترك أثَرها وبصمتها لأنّ رؤية العالم والإنسان تتشكّل من خلال التّربية الأولى، والبحث في تتبّع هذه البصمات واكتشاف أغوارها يتطلّب التّحرّر من السّؤال المضحِك: هل أركون مسلم أم ملحد أم مسيحي؟.

ومِن تجاوز الخُصومة التي وقعت له في إحدى مؤتمرات الفكر الإسلامي بالجزائر مع بعض المشايخ التي نفخت فيها ابنته في كتابها عن والده وبعض الحداثيين عندنا، وقد قرأت في رسالة له إلى المرحوم سعيد شيبان حين كان وزيراً للشّؤون الدّينية مستجيباً للدّعوة بالحضور رغم ما وقع له وينهي الرسالة بآية قرآنية (والله يَعْلَم ما في الصُّدور).

المسألة الثّالثة التي يمكن الاستفادة منها اليوم في ظلّ الدعوة إلى “التّكامل المعرفي” أو “التّجسير المعرفي” هو قدرة محمد أركون على الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية-الإنسانية.

فقد استفاد من المدارس الألسنية والتأويلية والتواصلية، وكان لمفكري “الحوليّات” في فلسفة التاريخ الحضور في مؤلفاته بالخصوص فرنان بروديل، هذه الاستعانة بالمعارف المختلفة تستدعي من دارسي أركون إلى أن تكون بضاعتهم في علوم الشريعة ما هو معلوم بالضرورة واختصاصات العلوم الإنسانية في فهم تاريخهم وتراثهم، وإني حين أقرأ بعض ما يُكتب عنه أقول: “إنّنا نَدفِن أركون مّرات أخرى خارج بَلدِه الأصلي”.

ملاحظة: (نص للذكرى نشرته جريدة الخبر في ملف أعددته الصحفية الأستاذة مسعودة بوطلعة).

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram