ما قل ودل

كان أول من أرسى معالم القانون الدولي الإنساني الحديث…البروفيسور سعاد بسناسي تسهم في ملتقى الأمير عبد القادر بقسنطينة

الأستاذة سعاد بسناسي و هي تتّلقى التكريم في الملتقى

شارك المقال

شاركت البروفيسور سعاد بسناسي من جامعة وهران 1 مديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام وعضو المجلس الأعلى للغة العربية ورئيسة أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي في الملتقى الوطني الأول حول الأمير عبد القادر الجزائري الانفتاح الفكري والأدبي، الذي استمر ليومين 27/28 فيفري 2024 بقاعة المحاضرات الكبرى عبد الحميد بن باديس بذات الجامعة.

وألقت ذات الأستاذة مداخلة عنوانها “شخصية الأمير عبد القادر -المواقف الإنسانية والكفاح والإصلاح من منظور حداثي-“, هذا الملتقى الذي نظمته جامعة العلوم الإسلامية بقسنطينة برعاية رئيسها البروفيسور الدراجي سعيد، كلية الآداب والعلوم الإسلامية برعاية السيد العميد البروفيسور رياض الحسين بن الشيخ، ورئاسة الملتقى واللجنة العلمية للأستاذة فتيحة غزالي.

وقدمت الأستاذة سعاد بسناسي مداخلتها ضمن الجلسة العلمية الأولى حيث ركزت على إبراز ملامح شخصية الأمير عبد القادر الجزائري الرجل القائد الفذ والعسكري المحنك، الذي قاوم بسيفه وقلمه الشاعر والأديب المتصوف، وعرف عنه الشهامة والنبل فكان يراعي مبادىء الشرف وقد أسهمت في تكوين شخصيته عدة عوامل منها تنشئته وتعلمه وثقافته ورحلاته وتنقلاته التي أكسبته خبرات ساعدته على قيادة جيشه بذكاء، كما تزعم المواقف العسكرية والسياسية المصيرية والحاسمة من كفاحه.

ولاغرابة تضيف المحاضرة أن يمتاز الأمير بالمروءة والكرامة والأخلاق الرفيعة التي استقاها من مبادىء ديننا الحنيف، كما كان يسعى لتحقيق العدالة والمساواة في حكمه وإدارته ومجتمعه، فيحث على ضرورة توفير حقوق الفرد والمجتمع وضرورة احترام كرامة السجناء من العدو واحترام حياتهم وحرية دينهم ومعتقداتهم بتوفير الأمن لهم وضروريات العيش كالملبس والمأكل والمشرب وكان يفرضها كشروط لعملية الأسر.

وكان متسامحا اتجاه الأسرى ورحيما بهم، وساهم في عملية تنشيط تبادل الأسرى، وكان يمنع جنوده من المساس بكرامة الأسرى من الأعداء وأن يحترم الجندي الأميري خصمه حينما يلقي السلاح أو يستسلم أو يعترف بالهزيمة، وكان يوصي بعدم التنكيل بهم أو تعذيبهم أو حرق الأشجار والزرع، كما كان يحترم المرأة وكان يضاعف المكافأة لمن يأسر النساء أكثر من الرجال، وكان يصفح ويعفو عند المقدرة وقصة السبايا الفرنسيات معروفة بقولته الشهيرة:( الأسود تشن هجوما على الحيوانات القوية فتهاجمها، أما أبناء آوى فتسقط على الضعيف منها) وكان رحيما بجنده كثيرا يعتني بهم بتوفير ما يحتاجونه حتى نوعية قماش ألبستهم كان ينتقيها، وكل من أصيب بعطب كلي يخصص له راتبا إلى وفاته.

كما كان يقدر أهمية العلم والثقافة والتعليم وعمل على تحسين نظام التعليم في الجزائر وتشجيع طلب العلم، بدليل كان يهتم في برنامج إقامة دولته ببناء المستشفيات والمستوصفات ويدفع رواتب للأطباء من بيت المال، و يشتري الكتب الطبية المستجدة لإفادة طلبة المعاهد الطبية، وعمل في المسجد الأموي بدمشق أريع سنوات.

كما عرف الأمير بإيمانه القوي وجهاده في سبيل الله وجسد مبادىء الإسلام وقيم الجهاد في معاركه ومعاملاته، وكان داعما للسلم والأمن والحرية وكانت له مواقف إنسانية وأخلاقية في الحروب لأنه كان يرسخ للقيم والمعاملة الحسنة بسعيه لتحقيق السلام، وسّد أسباب الحرب والحد من إراقة الدماء وخسارة الأرواح، مع إقراره لشرعية الحرب الدفاعية وقدسيتها والسعي لتحقيق الحوار والتفاوض.

ومن مواقفه الإنسانية التي كرم على إثرها بأوسمة ونياشين كثيرة حادثة دمشق أثناء استقراره فيها فكانت له مكانه بين العلماء والوجهاء وشارك في الحياة العلمية والسياسية وفتح بيوته للاجئين إليه من المسيحيين إثر الأحداث الدامية الطائفية، وكان الأمير قائدا بالمثال وقدوة لجنده ومجتمعه لأنه كان يعيش حياته اليومية على القيم الإنسانية والمبادىء الإسلامية التي كان يحث عليها. وسعيه لتحقيق التواصل والتفاهم وفك النزاعات من خلال تأسيس مجالس الحكم والشورى، مما ساعد على تعزيز التسامح والوحدة، ودعى إلى تجاوز التباينات الدينية والعرقية، بحماية الأقليات بما في ذلك المسيحيين، وأسس نظاما يكفل لهم حقوقهم ويحميهم وهذا ما يؤكد مبدأ المواطنة المتساوية.

وخلاصة القول حسب الأستاذة سعاد بسناسي أن الأمير مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، نستطيع القول بلا مغالاة كان أول من أرسى معالم القانون الدولي الإنساني الحديث، كيف لا وهو القائد المحنك والمجاهد البطل الفذ، الدبلوماسي الماهر المتحاور المفاوض ملتزم بالقيم الإنسانية والمبادئ الإسلامية والأخلاق النبيلة، يرفض الظلم والاستعمار.

و أسهم الأمير في تحقيق البنية التحتية وتحسين ظروف المواطنين، وشجع على الاقتصاد المحلي بحّثه على الصناعة المحلية لتعزيز التنمية الاقتصادية.

للتذكير أن هذا الملتقى يمثل رمزية خاصة لأنه يستحضر صفحات من تاريخ الجزائر بكل تجّلياته وأبعادها لاستلهام الدروس والعبر، ليكون الماضي نهجا يحتذى به في رسم معالم وملامح الجزائر الجديدة التي تعززت مكانتها الدولية في مجالات العمل الإنساني بمختلف أشكاله.

والأمير عبد القادر الجزائري رمز لرمزية الملتقى، ورمز اجتمعت فيه ملامح النبوغ والفطنة وإنسانيته جوهر قائم بذاته، فالرجل ظاهرة ونستطيع القول “إن الأمير عبد القادر الجزائري نجح بذكاء في فكرة أنسنة الحروب، وأخلقة القتال”.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram