نظمت أكاديميّة الوهراني للدّراسات العلميّة والتّفاعل الثّقافي مُلتقى وطنيا حول موضوع “الأدب الصوفي التجليات والأبعاد” وقد أشرفت رئيسة أكاديميّة الوهراني للدّراسات العلميّة والتّفاعل الثّقافي البروفيسور سعاد بسناسي على فعاليات هذا الملتقى افتتاحا واختتاما، كما قدمت مداخلة افتتاحية، وكان الملتقى برئاسة علمية من طرف الدّكتورة: جمعة مصاص جامعة خنشلة وعُضو الأكاديميّة.التي قدمت مداخلة بعنوان
الشعر الصوفي بين محدودية اللغة وخصوصية التجربة.
نُظِّم الملتقى بالتّنسيق مع مخبر المعالجة الآلية للّغة العربية مُمثَّلًا في شخص رئيسته البروفيسور سليمة دالي و بيت الشّعر الجزائري مُمثَّلًا في شخص رئيسه: الشّاعر سليمان جوادي وممثلة له الدكتورة عرجون الباتول من جامعة الشلف ورئيسة وحدة السرديّات والشّعر بالأكاديميّة. ورئيسة اللّجنة العلميّة للملتقى ورئيس اللّجنة التنظيميّة والمشرف على البث التقني لجميع الجلسات الدّكتور إبراهيم يحي جامعة الشلف وعُضو الأكاديميّة.
وقد شمل الملتقى أربعة محاور رئيسية، هي:
المحور الأول: الأدب الصوفي: البدايات- التطور- والآفاق.
المحور الثاني: الكشف الصوفي وتجربة الفناء.
المحور الثالث:الحب الإلهي وتمظهراته في الأدب.
المحور الرابع: الأدب الصوفي الجزائري: أعلامه وتجاربه الصوفية.
ومِن أهدافِه:
– الاهتمام بالأدب الصوفي شعرا ونثرا.
– تبيان أثر التجربة الصوفية في الإبداع الأدبي
– تشجيع الدراسات الأكاديمية في مجال الأدب الصوفي.
– تسليط الضوء على جانب مهم من تراثنا العربي، وبعثه من جديد.
– الاهتمام بالأدب الصوفي الجزائري.
– فتح المجال أمام الباحثين(الأساتذة، وطلبة الدكتوراه)، للإسهام في النشاطات العلمية الأكاديمية.
شارك في الملتقى أساتذة وطلبة دكتوراه من مختلف ولايات الوطن: وهران، خنشلة، الشلف، برج بوعريريج، بومرداس، تيبازة، بجاية، مستغانم، خميس مليانة، قسنطينة، سطيف، تبسة، الأغواط، باتنة، سيدي بلعباس، المسيلة، أم البواقي، بشار، غليزان… إلخ.
وقد تلقّت اللّجنة العلميّة في وقت وجيز حوالي 70 مداخلة، حيث تمّ انتقاء المداخلات الكاملة و الموثقة للمشاركة في الملتقى،و وُجِّهَت المداخلات للتّحكيم من قِبَل أعضاء اللّجنة العلميّة، حيث سيتمّ نَشر المداخلات المَقبولة من طرَفهم في كتاب يخصّ أعمال الملتقى قريبا.
تمت هيكلة الملتقى في أربع جلَسات، تضمّ كلّ جلسة 12 مداخلة، بالإضافة إلى الجلسة الافتتاحية والختامية, و قدمت أولى مداخلات الجلسة العلمية الأولى أ.د سعاد بسناسي “جامعة وهران” وعُضو المجلس الأعلى للّغة العربية ورئيسة أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي التي تمحورت حول حروفيات كمال الدين أديب ودلالاتها الصوفية و ما لها و ما عليها من جدل في الكشف عن دلالة النص.
وقد عقد ابن عربي من القديم الصِّلَة بين عالمَي الحروف والتصوّف، إذ يذكر أنّ الله تعالى أوجدَ الحركات والحروف والمخارج تنبيهًا منه سبحانه وتعالى أنّ الذّوات تتميّز بالصّفات والمقامات، فجعل الحركات نظير المقامات، وجعل الحروف نظيرَ المَوصوف، وجعل المخارج نظيرَ المقامات والمعارج… ومن يشتغِل على حروفيّات أديب كمال الدين سيفلح تارة وتتشابك عليه الشّفرات تارة أخرى، وذلك أنّ تجربته الشعريّة مع الحرف عصيّة وتأبى التّقعيد النّقدي، لأنّ أديب كمال الدّين يقدّمها على عدّة مستويات: التّشكيلي، الرّمزي، الأسطوري.
ومن تمظهُرات الخطاب الصّوفي في الشّعر إلى تمظهُراتِه في السّرد، حيث وسمت مداخلة أ.د متلف آسية ود. فلاق يمينة عريوات بتمظهُرات الخطاب الصّوفي في الرّواية العربية المعاصرة: رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي للطّاهر وطار.
و تمّ الإشارة فيها إلى أهمّ النّقاط التي تمظهَر فيها الخطاب الصّوفي في مَتن الرّواية من مصطلحات و رموز و تعالقات نصية…. بغيةَ فَتح فُسحة أمل يتنفّس الأديب من خلالها الصّعداء للتّخفيف من الواقع المر، كرغبة مُضمَرة تدفع الذّات العربية إلى التمسّك بالجانب الرّوحي للخَلاص من تعسّف الواقع.
وفي ذات السّياق، ومع روايات الأزمة تأتي مداخلة د. سماح بن خروف (جامعة برج بوعريريج) بعنوان الأبعاد الصوفية للاغتراب الرّوحي في رواية الأزمنة الجزائرية، التشكّل والدّلالة.
ويعدّ الاغتراب عمومًا من أبرز الاتّجاهات الأدبيّة في الرّواية الجزائريّة في مرحلة العشريّة السّوداء، فقد أدّت أزمات مختلفة فكرية وسياسية واجتماعية…. إلى وقوع حوادث أجبرَت المثقّفين والأدباء على تناوُل الغربة في رواياتِهم ولا سيما الاغتراب الصّوفي، وما له من خصوصيّة عرفانيّة روحانيّة من حيث التشكّل والدّلالة على حدّ سواء.
وجاءت مداخلة د. نجاة قزولة (جامعة بومرداس) حول الشّيخ والمريد في الشّعر الصّوفي الجزائري,فمن أدب المريد في الشّعر الصّوفي مع الشّيخ ترك مخالفتِه في الظّاهرـ وتَرك الاعتراض عليه في الباطن، فصاحب العصيان بظاهره تاركٌ لأدبه، وصاحب الاعتراض بسرّه متعرض لعطبه، بل يكون خصمًا على نفسه لشيخه أبدًا، يكفّ نفسه ويزجرها عن مخالفته ظاهرًا وباطنًا، وعلى حدّ قول ابن العربي:
وما حرمة الشّيخ إلّا حرمة الله فقم بهم أدبًا لله بالله…هو الأدلاء والقربى تؤيدهم على الدّلالة تأييدًا على الله
بعدها تناولت الكلمة أ.د يوسف مقران ود. نصيرة علاك (المركز الجامعي تيبازة) و التي امحورت ضِمن جدليّات الرّحلة الروحانيّة والواقعيّة السحرية مقاربة تفكيكيّة للمتخيّل الصّوفي.
وهي دراسة تفكيكيّة عميقة للمتخيّل الصّوفي رواية عمار علي حسن أنمودجا وما تحمِل من فانتازيا وواقعيّة سحريّة وسفر روحاني….
أما د. فؤاد علمي (جامعة بوعريريج) فحاضر حول تجليّات الخطاب الصّوفي في الشّعر الجزائري المعاصر قراءة تحليليّة في قصيدة أوّل البَوح للشّاعر عبد الله العشي.
فقد استغل الشّاعر عبد الله العشي الموروث الصّوفي ووظّفه في بناء نصوصه توظيفًا يبلغ مُنتهى الفكرة الصوفيّة العميقة، حيث يتقمّص التّجربة الصوفيّة ويولّدها شعرًا معاصرًا، مُتحرِّرًا من قيود العقل والحسّ، إلى الحلم والرّؤيا والإلهام، وصولًا إلى حضرة الكَشف والتجلّي.
بينما جاءت مداخلة د. زهرة خالص (جامعة بجاية) حول أبو حيان التوحيدي عِماد التصوّف,فقد عادَت بنا المداخَلة إلى عمق الخطاب الصّوفي عند أبي حيان التوحيدي، وهو عالم موسوعي لُقِّب بفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، وجمع إضافة للفلسفة والأدب علوم البلاغة وعلم الكلام والتصوّف وغيرها من العلوم. وتميّزت مؤلّفاته بشيوعِها وغَزارة مَوضوعها ومَضمونِها وبأسلوب أدبي بارع.
و عرف التوحيدي بكثرة مخالطَة الصوفية أو ممارسة الطّقوس الدينية معهم، فكان ذلك من الأسباب المهمّة التي كان لها الأثر الكبير في تحوّل حياتِه فيما بعد إلى الاتجاه الصّوفي، والذي مثّل أحد الأركان المهمّة في حياة التّوحيدي إلى جانب: اللّغة، الفلسفة.
أما مداخلة د. زهرة بن يمينة وَ د. فاطمة جريو (جامعة مستغانم) فكانت حول الأدب الصّوفي، بحث في المفهوم والنشأة والبنية الأدبيّة, وهو عبارة عن بَحث علمي متكامِل يرجع إليه الطلّاب والمهتمّون بالأدب الصّوفي من المفهوم وإشكاليّة المصطلح إلى نشأته وسَيرورة تطوّره إلى هندسته اللغويّة وبنيتِه الأدبيّة.
فيما آثرت د. عرجون الباتول (جامعة الشلف) خلال مداخلتها على مناقشة إشكالية التّواشُج بين الخطاب الصّوفي العرفاني والشّعر الجزائري المعاصر,حيث أثارَت فيها إشكاليّة تواشُج سِمات الخطاب الصّوفي الرّوحاني مع الخطاب الفنّي الشّعري، أين يتماهي التصوّف بمشحونه الدّيني، الفلسفي، التاريخي، معَ التصوّف بمَشحونه الأدبي، الإبداعي، الفنّي، الجمالي… إلخ ومن هذه السِّمات المتواشِجة: السّفر، الاغتراب، الحنين، الكرامات، الرُّؤيا، الطّريق، الشّيخ والمريد… إلخ.