إسرائيل لا توزع رسائل مجاناً، بل تصوغها بالقصف والدم، لتعيد ترتيب الوعي العربي وفق منطق القوة: من لم يخضع بعد، فليستعد لدوره. ما حدث في دمشق ليس مجرد غارة. هو إعلان استراتيجي بأن النار لن تتوقف عند غزة، بل ستتجاوزها إلى كل من يظن أنه بعيد، وكل من ظن أن الصمت سيحميه، وكل من حسب أن خيانته للمقاومة ستكسبه الحصانة.
دمشق اليوم مجرد محطة في الطريق، والطريق طويل، وملغوم، ولن يستثني أحداً. فحين تُقصف عاصمة بحجم دمشق، وعلى مقربة من قصر الحكم، فالمعنى واضح: إسرائيل لا ترى في العرب شركاء، بل أهدافاً تنتظر ترتيب أولويتها.
المدهش في هذا السياق ليس العدوان الإسرائيلي، فهذا سلوك أصيل في عقيدتها، بل في ذلك الخطاب العربي المريض الذي لا يزال يحمّل حماس مسؤولية ما يحدث في غزة.
يا سادة، كفى تضليلاً. من يتهم حماس بأنها “جلبت النار” إلى غزة، إما جاهل بالتاريخ، أو متواطئ في الحاضر، أو عميل للمستقبل. إسرائيل لم تكن يوماً بحاجة إلى ذريعة لتقصف وتقتل وتغتال وتحتل.
من اجتاح بيروت، ، ودّمر مطار دمشق، واغتال في إيران ، لم يكن يطارد حماس. كان يطارد فكرة اسمها الكرامة، مشروع اسمه التحرر، صوت اسمه “لا”. حماس ليست السبب، بل الشماعة. من يريد تبرير عجزه وخنوعه، ومن يريد التنصل من واجبه، ومن لا يجرؤ على مواجهة العدو، يبحث عن كبش فداء في غزة.
ولكن الحق أبلج: إسرائيل تستهدف من يرفضها، سواء كان مقاوماً بالسلاح، أو حتى رافضاً بالكلمة. ليست المشكلة في نوع المقاومة، بل في وجودها أصلاً.
من يطالب غزة بالهدوء هو ذاته من يصّفق لقصف دمشق، ومن يطلب من حماس “الرشد” هو من غرق في وحل الانبطاح واحتفل باتفاقيات الذل.
قصف دمشق اليوم ليس تهديداً لسوريا وحدها، بل صفعة على وجوه كل من ظنّ أن التطبيع درع واقٍ، أو أن التحالف مع العدو يوفر الحماية.
الرسالة الإسرائيلية عارية وواضحة: من لا يخضع بالكامل، سيُقصف بالكامل. من لا يصطف معنا، فهو عدو بالقوة. لقد قُصفت دمشق لتفهموا أن القضية ليست حدوداً ولا فصائل، بل روح شعب يُراد له أن يُمحى، وأمة يُراد لها أن تركع دون قيد أو شرط.
إن كل عاصمة عربية سكتت على مذابح غزة، ستدفع الثمن على طريقتها. ومن ظن أن المسافة الجغرافية أو البراغماتية السياسية تنجيه، فهو واهم.
النار لا تفرق بين من قاوم ومن خان. إنها لغة واحدة: من لم يكن مع فلسطين، سيكون وحده، أعزل، عارياً أمام لحظة الحساب. هذا هو الدرس لمن أراد أن يفهم، وهذا هو التحذير الأخير قبل أن تحترق الخنادق الفارغة والخطابات المضللة.