
فقد كان الأجداد تجاراً ورجعوا من العراق وبلاد الشّام بالإباضية, سلطنة عمان جابريّة فيها الاعتدال والاستقامة، واتخذوا من لفظ “الاستقامة” عنواناً ومنهجاً واجتهاداً، زرتها عام أفريل 2016، وقد كانت الدّعوة من جامعتها باقتراح كريم من الزّميل المرحوم المؤرّخ بوعلام بلقاسمي -رحمه الله- وبرفقة الصّديق المؤرّخ جمال يحياوي، وكان عنوان الملتقى: “مراكز البحوث الإنسانية في الوطن العربي: التحديات، والفرص، وآفاق التعاون” .
ضّيفنا الأخ بوعلام بلقاسمي الذي كان يرأس قبل التحاقه بجامعة السلطان قابوس المجلس العلمي لمركز الدراسات التاريخية أول نوفمبر التابع لوزارة المجاهدين، كان المركز إشعاعاً وفضاء لقضايا الذّاكرة والتذاريخ، ثم طلب التّقاعد من جامعة وهران وأمضى عقد تعاون مع الجامعة هناك واختاره الله بعدها في هذا البلد، وفي جنازته بوهران حضر ممثّل من وزارة التعليم العُمانيّة وممثل من سفارتهم هنا.
كانت العلاقة مع عُمان قبل هذا من خلال متابعتي الدّائمة لمجلة ّالتسامح” التي غيرت اسمها إلى “التّفاهم”، والتي يدير تحريرها المفكر عبدالرحمن السالمي، وهي مجلّة راقية علمياً ورؤية، تصدرها وزارة الأوقاف ولكن يشرف عليها نخبة من العلماء والمفكرين، وكانت تركز في ملفاتها على قضايا فكرية معاصرة واستراتيجية وحتى في قراءاتها للتراث غير مذهبية وبأدوات جديدة، وأرشيفها اليوم مكتبة يعود إليها الباحثون، كان يكتب فيها خيرة المفكرين العرب.
ذكّرتني ب”الأصالة” التي كانت تصدرها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، وهي مدرسة أجهضت للأسف، وكان عددها الأول بداية السّبعينات يتصدّر صُورة غلافه “الموسيقار بيتهوفن ويوغرطة”.
و كان علماء السّلطنة حاضرين في ملتقيات الفكر الإسلامي، ومنهم الذي كان يزورنا دوما في الجزائر سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي (فقيه الحوار والحجّة) الذي التقيت به أوّل مرة بتلمسان حين كنت أشرف على ملتقيات التظاهرة (2011)، وفي عشاء أذكر طرح على وزير الشؤون الدينية والأوقاف سؤالا عن رأيه في أبي العباس الونشريسي، فأجاب باقتضاب، وبعدها بأيام بمكتب الوزير قلت له: السّؤال فيه لمز لأن صاحب المعيار لم يذكر الإباضية بخير، وهي نصوص طبعاً لها سياقاتها التاريخية، وقد تعجّب رحالة عربي زار توقرت كيف لحاكم بني جلاب أن يترك هؤلاء؟ وحرّض عليهم (القرن 17)، ولم يعرف هذا الرحالة الفقيه هذا المذهب في بلده ولم يعش روح التّعايش.
و تجّسد هذا الجوار المذهبي زمن جمعية العلماء والحركة الوطنيّة وحتى وإن كان الخلاف بينهم لم يصل إلى التّكفير والإبعاد، وما زال بعض الزملاء أوصيهم ببعض الكتب ذات القوة الفكرية والرؤية الفقهية العصرية تأتيني من هناك، ومؤخراً طبع الأخ الفقيه مصطفى باجو عمله الفقهي الضّخم هناك، ومن آخر ما قرأت كتاب “برهان الحقّ” للخليلي، والسلطنة مشكورة على طبعها لأغلب أعمال علماء الإباضية الجزائريين, وفي السنوات الأخيرة هناك اهتمام متميّز بالفلسفة والفكر الاجتماعي في مسقط.
سلطنة عُمان قوّة اقتصادية وعرفت نهضة ثقافية وعلمية، وتشكل قوّة ديبلوماسيّة تغترف من قيمها وروحها التّاريخية ذلك، وقد وضع السلطان قابوس-رحمه الله- (ت2020) وثيقة “المؤتَلف الإنساني”، وهي رؤية تقوم على أن السّلم والانسجام والاستقرار هي عوامِل التّنمية في إطار رؤية 2040.