ما قل ودل

الجزائر والاتحاد الأوروبي…إشكالية التحكيم التجاري وتحديات اتفاق الشراكة

شارك المقال

أثار قرار المديرية العامة للتجارة التابعة للمفوضية الأوروبية بفتح إجراء تحكيمي ضد الجزائر ردود فعل رسمية قوية من قبل الحكومة الجزائرية، التي اعتبرت القرار “متسرعًا” و”أحادي الجانب”، وينتهك روح ونص اتفاق الشراكة بين الجانبين.

وو للعودة للموضوع بالتحليل الأكاديمي فإن اتفاقية الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، الموقعة سنة 2002، تعد إطارًا استراتيجيًا للتعاون الاقتصادي والتجاري والسياسي، حيث تهدف إلى تحقيق تكامل تدريجي في مجالات متعددة. غير أن العلاقات الثنائية بين الطرفين شهدت في السنوات الأخيرة توترًا متزايدًا، تجلى في انتقادات الجزائر لمردودية الاتفاق واختلال التوازن في المنافع المتبادلة. وتأتي الخطوة الأخيرة للاتحاد الأوروبي بفتح إجراء تحكيمي لتعمق هذا التوتر، وتطرح تساؤلات حول مصداقية الحوار وفعالية الآليات المؤسسية المعتمدة في تسوية النزاعات.

القرار الأوروبي ورّد الجزائر

في بيان صادر عن وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، أعربت الجزائر عن تفاجئها من قرار المفوضية الأوروبية، معتبرة إياه تصرفًا غير مبرر بالنظر إلى المسار “البنّاء والهادئ” للمشاورات الثنائية التي لم تتجاوز جلستين خلال فترة لا تتعدى الشهرين. وأكد الوزير أحمد عطاف في رسالة رسمية إلى كايا كالاس، الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي، أن ستة من أصل ثمانية ملفات كانت في طريقها إلى التسوية، بينما قدّمت الجزائر مقترحات بخصوص النقطتين المتبقيتين، دون أن تتلقى ردًا رسميًا.

البعد القانوني…انتهاك لمواد الاتفاق؟

من أبرز نقاط الاعتراض التي أثارها الجانب الجزائري، ما اعتبره خرقًا صريحًا للمادتين 92 و100 من اتفاق الشراكة، اللتين تنصان على دور مجلس الشراكة كهيئة مركزية لتقييم المشاورات واتخاذ القرارات. وإذ لم يُعقد هذا المجلس منذ خمس سنوات رغم مطالبات الجزائر، فإن الخطوة الأوروبية بفتح إجراء تحكيمي دون الرجوع إلى هذه الهيئة، تطرح إشكالية قانونية ومؤسساتية تتعلق بشرعية القرار الأوروبي وإمكانية الطعن فيه داخل الأطر القانونية للاتفاق.

أزمة مؤسساتية أم تصعيد سياسي؟

يمكن فهم القرار الأوروبي أيضًا في سياق أوسع من العلاقات الدولية التي تشهد تجاذبات بين دول الجنوب وشركائها في الشمال، خاصة في ظل تزايد التوجهات الحمائية في أوروبا، وتوترات الجغرافيا السياسية العالمية. وقد تكون هذه الخطوة محاولة من بروكسل للضغط على الجزائر لإعادة ضبط سياساتها الاقتصادية بما يتماشى مع المصالح الأوروبية، خاصة في مجالات التجارة والطاقة.

الدعوة الجزائرية لعقد مجلس الشراكة…نحو تجاوز الأزمة؟

في ضوء هذا التوتر، دعا وزير الخارجية الجزائري، بصفته الرئيس الحالي لمجلس الشراكة، إلى عقد دورة جديدة لهذا المجلس في أقرب الآجال، بهدف إجراء تقييم شامل لكافة الانشغالات واحتواء الخلافات داخل الإطار القانوني للاتفاق. تمثل هذه الدعوة خطوة دبلوماسية تهدف إلى استعادة التوازن في العلاقة الثنائية وتأكيد تمسك الجزائر بالشرعية القانونية والمؤسسية في معالجة النزاعات.

و تكشف الأزمة الراهنة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي هشاشة الأطر التعاقدية أمام التغيرات الجيوسياسية والتباينات في المصالح. ورغم الأهمية الإستراتيجية التي يمثلها الطرفان لبعضهما البعض، فإن تجاوز هذا الخلاف يتطلب إرادة سياسية مشتركة لإعادة تفعيل آليات الحوار والالتزام بروح الاتفاق، بعيدًا عن الإجراءات الأحادية التي قد تؤدي إلى مزيد من التباعد.

المصدر: وأج-بتصرف-

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram