ما قل ودل

الصين تستعرض عسكرها بذكاء حاد…الهيمنة الجيوسياسية لم تعد بالضرورة أمريكية

شارك المقال

استعرضت يوم أمس الصين عسكرها بطريقة ذكية, حيث لم يخل الاستعراض من التقنيات الحديثة المبتكرة التي عرف الجنود الصينيون كيفية تطبيقها بكل لباقة و دون تسجيل أي خطأ يذكر, مما جعل الخبراء يعتبرون ذات العرض بمثابة أحسن جواب على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي ما انفك يوجه سهام انتقاذاته دوما للعملاق النائم.

و كان ذات العرض أيضا أحسن جواب على العبارات الثقيلة لترامب الذي يعزم على التركيز على استحداث كلمة الهجوم في وزارة الدفاع تفاخرا بأن أمريكا لم تضرب أبدا في معاقلها يوما, و أنها هي من تقوم بتصدير الحروب في نوع من الاستعلاء العسكري.

فكل من شاهد العرض العسكري الصيني لم يندهش فقط من المسيرات العملاقة و كذا مختلف الآليات و كذا سلاح الجو المتطور بطائراته من الجيل الخامس, بل كانت الدهشة في طريقة آداء الجنود التي كانت على الطراز الروبوتيكي, فكل خطوة كان محسوب لها بدقة متناهية.

فلأول مرة على الصعيد العالمي اختلطت تحية العسكر لجموع الحاضرين بآداء تمارين بمستوى راقي قريب من الحقيقة, أين تفرقت الجموع داخل الآليات و تحول العرض إلى شبه مناورة على أرض الواقع.

 

رسائل إستراتيجية في سياق عالمي متحوّل

للتذكير أن العرض العسكري الصيني جمع عدداً من أبرز قادة العالم، من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، إلى جانب الرئيس الصيني شي جين بينغ. أهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في إظهار القدرات العسكرية لبكين، بل أيضاً في رمزيته السياسية، إذ يمثل لقاءً علنياً بين ثلاثة زعماء يُعتبرون من أبرز الخصوم الجيوسياسيين للولايات المتحدة. وقد أثار ذلك ردود فعل قوية، خاصة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي اعتبر الاجتماع مؤشراً على “تآمر” ضد بلاده.

الأبعاد السياسية للعرض

الحضور الدولي في العرض العسكري الصيني لم يكن بروتوكولياً فحسب، بل حمل دلالات جيوسياسية متعددة:

  1. ترسيخ المحور الصيني-الروسي-الكوري الشمالي: اللقاء بين الزعماء الثلاثة يوحي بتعميق التعاون الإستراتيجي بين هذه الدول، خصوصاً في ظل التوتر المتزايد مع واشنطن وحلفائها.

  2. رسالة إلى الغرب: الصين أرادت أن تُظهر قدرتها على جمع قوى مناوئة للولايات المتحدة في مشهد واحد، بما يعزز صورة عالم متعدد الأقطاب.

  3. توظيف القوة الناعمة عبر القوة الصلبة: العرض العسكري لم يكن مجرد استعراض قوة عسكرية، بل ممارسة دبلوماسية غير مباشرة تعكس مكانة الصين في إعادة تشكيل النظام الدولي.

 أبرز الأسلحة التي كُشف عنها

العرض قدّم للعالم مجموعة من الأنظمة التسليحية الجديدة التي تعكس قفزة نوعية في القدرات الدفاعية والهجومية الصينية:

  • الصواريخ النووية العابرة للقارات: من بينها نسخ مطورة يُعتقد أنها قادرة على بلوغ الأراضي الأمريكية، بما يعزز الردع النووي لبكين.

  • الصواريخ الفرط صوتية (Hypersonic Missiles): تتميز بسرعات تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت وقدرة عالية على المناورة، ما يجعل اعتراضها صعباً للغاية بالنسبة للأنظمة الدفاعية التقليدية.

  • الطائرات المسيّرة الشبحية: مركبات جوية غير مأهولة بتقنيات تخفٍ متقدمة، تتيح تنفيذ عمليات استطلاع وهجوم بدقة عالية مع تقليل احتمالية رصدها.

هذه المنظومات مجتمعة تعكس انتقال الصين من مرحلة “التحديث العسكري” إلى مرحلة “الريادة التكنولوجية” في بعض مجالات التسلح المتطور.

 التداعيات الإستراتيجية

  1. سباق التسلح العالمي: من المتوقع أن يؤدي هذا الكشف إلى تسريع وتيرة تطوير الأسلحة في الولايات المتحدة وحلف الناتو، بما يعمّق سباق التسلح الجديد.

  2. تغيير موازين الردع: امتلاك الصين لقدرات متقدمة في مجال الصواريخ الفرط صوتية يعيد حسابات الردع النووي والقدرات الدفاعية الأمريكية.

  3. انعكاسات على الأمن الإقليمي: دول شرق آسيا، وخاصة اليابان وكوريا الجنوبية، قد تجد نفسها أمام واقع استراتيجي أكثر تعقيداً، يدفعها نحو تعزيز تحالفاتها العسكرية مع واشنطن.

و عبر كل هذه المعطيات نستخلص أن العرض العسكري الصيني لم يكن مجرد مناسبة احتفالية، بل حدثاً مفصلياً يعكس تحوّل موازين القوى العالمية. من خلال استعراض أسلحة متقدمة وجمع قادة يُعتبرون خصوماً لأمريكا، بعثت بكين برسالة واضحة بإن النظام الدولي يتجه نحو تعددية قطبية جديدة، حيث لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الأوحد في ميدان القوة العسكرية والهيمنة الجيوسياسية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram