أصدرت دار كنوز المعرفة بالأردن كتابا حول: (اللّسانيّات العصبيّة) من تأليف البروفيسور سعاد بسناسي، ويُضاف هذا الكتاب إلى سلسلة من الكتب الفرديّة للأستاذة وأخرى جماعيّة بأرقام إيداع دوليّة، وللإشارة فإنّ الأستاذة سعاد بسناسي طبعت أوّل كتاب مشترك سنة 2007 حول: (المقرّرات الصّوتيّة للبرامج الوزاريّة في الجامعة الجزائريّة) بالاشتراك مع الأستاذ القدير مكيّ درّار، ولأهمّية الكتاب لقي رواجًا وإقبالاً فطبع ثلاث مرّات متوالية، ونفذت جميع الطّبعات، وصدر للأستاذة سعاد بسناسي كتابان من تأليفها الأوّل بعنوان التّحوّلات الصّوتيّة والدّلاليّة في المباني الإفراديّة، والثّاني بعنوان: التّحوّلات الصّوتيّة والدّلاليّة في المباني التّركيبيّة طبعا في الأردن سنة 2012، وبعدها كتاب السّمعيّات العربيّة في الأصوات اللّغويّة سنة 2013 بالأردن طبعة أولى، وطبعة خاصّة بالجزائر سنة 2015، ثم كتاب دراسة لسانيّة في المباني الإفراديّة لحكاية العشّاق في الحبّ والاشتياق لمحمّد بن إبراهيم، طبعة أولى بالجزائر من إصدارات مخبر اللّهجات ومعالجة الكلام، ثمّ كتاب مشترك حول صوتيّات التّصريف بين التّوصيف والتّوظيف سنة 2015 طبع بالجزائر، وكتاب علم النّفس التّربويّ طبعة أولى بالجزائر سنة 2022، وصولاً إلى كتاب سيمياء ملفوظ السّرد طبع بالقاهرة طبعة أولى سنة 2024 من طرف دار العلا للنّشر والتّوزيع، وبعده في مجال السّرد مضمرات ملفوظ السّرد طبعة أولى بالأردن 2024 دار كنوز المعرفة، هذا إضافة إلى كتب جماعيّة تجاوزت ثلاثين كتابًا، سنذكرها في مقالات أخرى بحول الله تعالى.
وطبعت الدّار نفسها (كنوز المعرفة) كتاب اللّسانيّات العصبيّة، والذّي ذكرت في مقدّمته الأستاذة سعاد بسناسي أنّ الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل وخصّه بالتّفكير والنّطق، لأجل ذلك ارتبطت العمليّة التّواصليّة الفكريّة بالتّفكير والعقل واللّغة بوصفها من قدرات التّعبير والتّواصل ضمن أنساق من العلامات المتداولة، ونجد أنّ العلاقة الجدليّة بين الفكر والتّفكير واللّغة قد شغلت بال الدّارسين المختصّين في مختلف المجالات، وتباينت الآراء في جوانب وتلاقت في أخرى، ويتّفقُ الجميع على أهمّية الصّوت بوصفه أساس المستويات اللّسانيّة وقاعدتها، وأنّ حدّ اللّغة أصوات – في تعريف ابن جنّي- وربط المستوى الصّوتيّ بالمستوى الإفراديّ والتّركيبيّ والأسلوبيّ البلاغيّ وصولاً إلى الدّلالة التّي تشترك فيها جميع المستويات اللّغويّة وإن اختلف عددها وترتيبها عند الدّارسين، وكانت بذلك المعارف والأفكار مستقاة عبر مصفاة اللّغة ممّا فصّل فيه اللّسانيّون في بحوثهم.
وإنّ الحديثَ عن اللّغة يُحتّم علينا تحديد مستوياتها ومجالاتها ومواضيعها وصولاً إلى وظائفها وكيفيّات تحقّقها، ويرتبطُ ذلك كلّه بعمليّة التّحكّم في الوظيفة اللّغويّة، وعلاقتها بالدّماغ وتقسيماته، وما ينتج عن عمليّات الدّماغ من مواقف إيجابيّة في العمليّة التّواصليّة، أو مواقف سلبيّة نتيجة خلل في الدّائرة التّواصليّة عند أحد عناصرها – المرسِل، المستقبِل، الرّسالة، القناة النّاقلة – وهذه الدّائرة تنطلق من فكر المتكلِّم لتصل إلى فكر المستقبِل، ووجب حينها فهم الآليّات العصبيّة في الدّماغ البشريّ، ويندرج تفصيل هذه الإشكالات ضمن اللّسانيّات العصبيّة (Neurolinguistics) وهي أحد فروع اللّسانيّات التّطبيقيّة التّي تركّز على وصف وتحليل مختلف حالات الآليّات العصبيّة في الدّماغ الإنسانيّ، وخاصّة تلك التّي تُسهمُ في فهم اللّغة واكتسابها وإنتاجها والتّأثير بها لتحقيق العمليّة التّواصليّة التّفاعليّة. وتقفُ مختلف الدّراسات التّشريحيّة للدّماغ البشريّ على مكوّناته وتقسيماته الكبرى والدّقيقة بتحديد موقعيّاتها ووظائفها وعلاقتها ببعضها، ومنه أنّ منطقة بروكا (Broca’s area) التّي حدّدها عالم التّشريح الفرنسيّ بير بول بروكا هي المسؤولة عن إنتاج الكلام والقدرة عليه، وبيّن أنّ الجزء الأيسر من الدّماغ هو المسؤول عنها، وتقابلها منطقة فيرنيك (Wernick’s area) نسبةً إلى طبيب الأعصاب والنّفس الألمانيّ كارل فيرنيك، وهذه الباحة هي المسؤولة عن حركات أعضاء أجهزة النّطق في إنتاج الكلام، حيث تتبّع أمكنة وقوع الإصابات الدّماغيّة ممّا ينجم عنه فقدان القدرة على فهم الإنتاج اللّغويّ واستيعابه.
واللّسانيّات العصبيّة من العلوم التّي تتشعّب منطلقاتها وموضوعاتها، وذلك لارتباط موضوعها الأساسيّ بالأعصاب والخلايا العصبيّة بين المتكلّم إلى المنطقة السّمعيّة في دماغ المتلقي عن طريق العصب السّمعيّ، ومن ثمّة تعترضنا حالات كثيرة ومتنوّعة في تتبّع الرّسالة العصبيّة وفهمها حينما تتمّ عمليّة تحويل التّصوّرات إلى مدركات في الدّماغ من حزمة الألياف المقوّسة في منطقة فيرنيك إلى المنطقة الحركيّة في باحة بروكا بهدف التّنسيق بين أعضاء النّطق لإنتاج الرّسالة الصّوتيّة، وحينما يحدث أيّ خلل في عمليّة الإرسال والاستقبال الصّوتيّين فهو حتما خلل باحة بروكا وفيرنيك على التّوالي بحسب مسؤوليّة كلّ باحة، وهذه المعيقات اللّغويّة تتطلّب علاجات تتلخّص في فهم بنية الدّماغ وعلاقته باللّغة مهما تباينت الأسباب والمسبّبات والحالات.
وإنّ التّعامل مع إنتاج اللّغة في الدّماغ في علم اللّغة العصبيّ يتطلّب فهم معطياته ومناهجه التّي يلتقي فيها مع علوم أخرى كالعلوم العصبيّة الدّقيقة، واللّسانيّات، وعلم النّفس العصبيّ وغيرها من العلوم المعرفيّة؛ ممّا يزيد فهم الموضوع تعقيدا، وخاصّة حينما يتناول الاضطرابات اللّغويّة النّاجمة عن إصابات في القشرة المخيّة اليسرى، لأنّ اللّغة من وظائف هذا الشّق من الدّماغ، ومحاولةً منّا لفهم الموضوع وتحليله والإمساك بخيوطه الرّفيعة أحيانًا والعامّة الموجزة في بعض المقامات عمدنا إلى تقسيم البحث إلى ثلاثة فصول، ويندرج ضمن كلّ فصل مبحثين بعناوين فرعيّة تفريعيّة توضّحها جداول ورسومات توضيحيّة بحسب متطلّبات أفكار العناوين المدرجة.
انطلقنا في الفصل الأوّل من عنوان كينونة الكائنات، وركّزنا في المبحث الأوّل منه على الإنسان ومكوّناته استنادًا إلى كينونته، وحركيّته، وصولاً إلى تقسيم الخلايا العصبيّة لتحديد العلاقة بين اللّسانيّات العصبيّة والعلاجيّة من أجل تحديد الملكات الإنسانيّة اللّسانيّة بوصفها مقصورة على الإنسان ويتجسّد من خلالها تفاعله وتواصله في مختلف مواقف حياته، ممّا جعل الكثير من الدّارسين عدّها من المواضيع المعقّدة في الدّماغ البشريّ لعدة أسباب يرجع أغلبها لنموّ القشرة الدّماغيّة والعمليّات المركّبة وتداخل العمليّات الذّهنيّة المختلفة وغيرها. وخصّصنا المبحث الثّاني من الفصل الأوّل للتّفصيل في المقوّمات والمكوّنات بفهم توزيعات الدّماغ، وتشكيلاته وموقعيّاته بفهم وظائف وعلاقات بعض المكونات الأساسيّة منها الحبل الشّوكيّ، الجمجمة، اليدان، القدمان، الجلد، العروق والدّم والعضلات وصولاً إلى المقوّمات، وتقويمها لكي نمهّد للمدركات الخفيّة المتمثّلة في: الفكر، والتّفكير، والعقل والذّهن والذّكاء والانتباه لتحديد مناطق الدّماغ واستنطاقها بأعداد ومعدودات من خلال عرض مفصّل لمناطق برودمان لمعرفة الموجود من الأعصاب والمفقودعنده، وحصر المناطق الدّماغيّة بين الاحتمال والاستعمال.
وتناولنا في الفصل الثّاني الخلايا العصبيّة وتفاعل الكائنات، بحيث خصّصنا المبحث الأوّل للحديث عن تفاعل الكائنات وركّزنا فيه على مفهوم الخليّة وأشكالها وتشكيلاتها، ممّا وضّحته رسومات بيانيّة توضيحيّة لها بتحديد تكوّنها وتشكّلاتها وغيرها من المعطيات التّي استوقفتنا فوقنا عندها تمثيلاً وتحليلاً. وكان المبحث الثّاني من الفصل الثّاني مفصّلاً عن الأعصاب استهلالاً بحديث الجهاز العصبيّ، والتّقسيمات الثّلاثيّة بعرض تقسيمات الدّماغ البشريّ، وربطها بالعصبون لاستخلاص المفاهيم الدّقيقة، وتحديدها بشكل صحيح لفهمها من أجل حسن توظيفها، بما اعتمدناه من صور توضيحيّة ورسومات تفسيريّة تمثيليّة، وربطُ آليّات التّصويت الثّلاثيّة بالجهاز السّمعيّ المتمثّل في الأذن واللّسان ووظائفه من خلال عصبيّات التّصويت بتحديد القشرة المخيّة، والقشرة المخيخيّة، لفهم تشكيلة الدّماغ ومراحل التّصويت التّي تنتج عن تحوّلات الحواس وتبدّلاتها وغيرها من التّمثيلات والحالات.
وختمنا البحث بالفصل الثّالث الذّي وسمناه: الإنتاج والعلاج، بالوقوف في المبحث الأوّل منه على الإنتاج ومنطلقه في النّشأة، واستنطاق المناطق الدّماغيّة خاصّة التّعبيريّة ووظائف العصبونات في عمليّة الإنتاج وربطها بالأعضاء المنتجة بالوقوف عند الإلقاء والتّلقي وملامح الإنتاج الشّعريّ، وغيرها من المواقف الإلقائيّة اللّغويّة التّي تتحكّم فيها الأعصاب وتنتجها، ووقفنا وقفةً متأنيّةً عند مقادير إنتاج أصوات اللّغة العربيّة من الألف إلى الشّين، واتّبعنا في ذلك منهجيّة التّرتيب الأبجديّ، ومثّلنا لكلّ حرف منها بجدول لتحديد صفات إنتاجه وميزاته النّطقيّة ليتحدّد مسار العمليّة التّصويتيّة، ويتحدّد من خلالها منتهى مسارات عمل الأعصاب ووظائفها.
ونشيرُ إلى أنّنا حاولنا الاجتهاد في هذا الموضوع، ونأملُ أن تتحقّقَ بعضُ جوانبِ الإفادة العلميّة لدى المهتمّين والباحثين المنشغلين بذلك، ولا ندّعي الإلمام بكلّ ما له صلة بإشكالات اللّسانيّات العصبيّة، بل هي فاتحة أعمال لاحقةٍ، ونحسبها أرضيّةً تقومُ عليها أعمدة البحث المنفتحة آفاقه، ممّا تشرّعه لنا منهجيّة البحث والتّأليف. ونسألُ الله السّداد، ونرجوه التّوفيق لما فيه الخير والإفادة.