في سجل الدبلوماسية الجزائرية، يبقى اسم محمد الصديق بن يحي محفورًا بحروف من ذهب، رجل جمع بين الذكاء السياسي والنزاهة الوطنية، وبين الحنكة في التفاوض والشجاعة في اتخاذ القرار. هو ابن الجزائر الذي صدّر للعالم صورة الوطن كقوة سلام، لكنه في النهاية دفع حياته ثمنًا لمحاولته إطفاء نار الحرب.
من اخلاء سبيل الرهائن إلى قمة الوساطة الدولية
بعد أزمة السفارة الأمريكية في طهران سنة 1979، حين احتجزت إيران 52 دبلوماسيًا أمريكيًا، عجزت القوى الكبرى عن إيجاد حل، حتى دخلت الجزائر على الخط بوساطة قادها وزير خارجيتها آنذاك محمد الصديق بن يحي.
بفضل دهائه الدبلوماسي وصلابة موقفه المتوازن، تم التوصل إلى اتفاق الجزائر في 20 جانفي 1981، الذي أنهى أزمة الرهائن وأعاد الهدوء إلى العلاقات الأمريكية-الإيرانية.
ذلك النجاح رفع اسم الجزائر عاليًا، ورسّخ مكانة بن يحي كأحد أبرز صناع الدبلوماسية في العالم الثالث.
بين بغداد وطهران.. مهمة محفوفة بالمخاطر
لم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى اندلعت الحرب العراقية-الإيرانية، واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن العشرين.
مرّة أخرى، اختيرت الجزائر لتكون صوت العقل في المنطقة، وكُلّف بن يحي بمهمة وساطة جديدة بين صدام حسين وآية الله الخميني.
حمل الرجل رسالة سلام وأمل في إخماد نار الحرب التي كانت تلتهم الأرواح والاقتصادات، فسافر على رأس وفد دبلوماسي جزائري في مهمة رسمية عام 1982.
الرحلة الأخيرة
في الثالث من ماي 1982، وبينما كانت الطائرة الجزائرية التي تقلّ الوفد في طريقها بين طهران وبغداد، سقطت بصاروخ قرب الحدود الإيرانية–التركية.
النتيجة كانت مأساوية…استشهاد بن يحي وجميع مرافقيه
ورغم التحقيقات الطويلة، بقيت هوية الجهة التي أسقطت الطائرة لغزًا، إذ تبادلت إيران والعراق الاتهامات، لكن المؤكد أن هناك من لم يكن يريد للسلام أن يُولد في تلك اللحظة.
برحيل محمد الصديق بن يحي، فقدت الجزائر والعالم العربي أحد أنبل رجالاتها الدبلوماسيين، رجل لم يرفع السلاح بل الكلمة، ولم يسع إلى السلطة بل إلى الحل.
نجح في ما فشل فيه الآخرون، وأثبت أن الحياد الجزائري ليس ضعفًا بل قوة مبادئ, كان بن يحي صوت الجزائر العاقل، ورمزًا لدبلوماسية حملت رسالة واحدة…أن السلام أغلى من النصر حين يكون الثمن هو الإنسان.