ما قل ودل

قطيعة واشنطن–مدريد…الغطرسة العسكرية تتحول إلى عقيدة سياسية

شارك المقال

في تطور غير مسبوق هزّ الأوساط الدبلوماسية الأوروبية، أعلن دونالد ترامب قرارًا مفاجئًا بقطع جميع العلاقات مع إسبانيا، في خطوة تعكس منطقًا تصادميًا بات يطغى على سلوك واشنطن الخارجي. القرار لم يصدر عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل جاء كردّ فعل غاضب على رفض إسبانيا السماح للقوات الأميركية باستخدام قواعدها العسكرية.

قرار خارج الأعراف

لغة القرار، وتوقيته، وطريقة الإعلان عنه، كلها عناصر تشير إلى قطيعة مع قواعد العمل الدبلوماسي المتعارف عليها. فقد وصف ترامب مدريد بأنها “بلد سيّئ لا يستحق الشراكة”، في تعبير يتجاوز الخلاف السياسي إلى الإهانة المباشرة لسيادة دولة حليفة داخل حلف الناتو.

الأخطر من ذلك، هو التصريح الذي حمل تهديدًا مبطنًا باستخدام القوة، حين أكد أن الولايات المتحدة “لا تنتظر الإذن من أحد”، وأن بإمكانها استخدام القواعد العسكرية الإسبانية متى شاءت. هذا الخطاب لا يعكس مجرد غضب سياسي، بل يشي بتحول في العقيدة الأميركية تجاه مفهوم السيادة الوطنية.

السيادة تحت الاختبار

ما جرى مع إسبانيا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل باتت السيادة الوطنية، حتى للدول الحليفة، شرطًا ثانويًا أمام ما تسميه واشنطن “الضرورات العسكرية”؟
في هذا السياق، تبدو واشنطن وكأنها ترسل رسالة واضحة: الشراكة لم تعد قائمة على التفاهم المتبادل، بل على الامتثال الكامل.

رسالة إلى أوروبا

لم تكن مدريد وحدها المستهدفة. الرسالة الحقيقية وُجّهت إلى باقي العواصم الأوروبية، مفادها أن التردد أو الحياد في القضايا الاستراتيجية الكبرى لم يعد خيارًا مقبولًا. ففي قاموس الإدارة الأميركية الجديدة، إما الاصطفاف الكامل أو العزلة الشاملة.

إن قطع العلاقات مع دولة عضو في الناتو ليس إجراءً عاديًا، بل سابقة خطيرة تهدد بتفكيك أسس التحالف الغربي الذي تأسس على مبدأ الأمن الجماعي، لا الإملاء الأحادي.

تداعيات مفتوحة

من الناحية الاستراتيجية، قد تدفع هذه الخطوة أوروبا إلى إعادة التفكير في درجة اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة، وربما تسريع النقاش حول استقلالية القرار الدفاعي الأوروبي. أما على المدى القريب، فإن الأزمة تنذر بتوترات سياسية واقتصادية، يصعب احتواؤها في ظل هذا الخطاب التصعيدي.

فما حدث بين واشنطن ومدريد ليس مجرد أزمة عابرة، بل مؤشر على تحول أعمق في بنية النظام الدولي، حيث تتراجع الدبلوماسية لصالح منطق القوة، وتُختبر السيادة الوطنية تحت ضغط الهيمنة. وفي عالم كهذا، لا تبدو القطيعة استثناءً، بل أداة من أدوات السياسة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram