
كريم حجوج -صحفي جزائري مقيم بالولايات المتحدة-
منذ أن هبّت رياح الحراك في فبراير 2019، خرجت إلى الساحة فصيلة جديدة من المعارضين، يمكن تسميتها بـ”معارضة كل شيء”. هؤلاء لا يعارضون السلطة فحسب، بل يعارضون الفصول الأربعة، وتقلبات الطقس، وربما دوران الأرض حول نفسها وإن أُتيحت لهم منصة كافية لأمعنوا في شرح “المؤامرة الكونية”.
تراهم يتجولون في الفضاء الافتراضي كما يتجول مفتش صارم في مصنع للأخطاء؛ لا تمر كلمة، ولا صورة، ولا حدث صغير أو كبير إلا وتُفتح له محاكمة عاجلة. فإن أشرقت الشمس قالوا: ما بالها تشرق من الشرق كل يوم؟ أليس في ذلك نوع من الرتابة السياسية؟ وإن غابت اشتكوا من غياب الشفافية في جدول الغروب.
أما الأشجار، فقد نالها من النقد ما لم تنله الحكومات المتعاقبة. يقال إن إحداها تجرأت فأورقت في الربيع، فاتهمها أحدهم بمحاباة المناخ والتواطؤ مع الفصول. وحتى العصافير المسكينة لم تسلم من لجان التحقيق؛ إذ كيف تجرؤ على الزقزقة صباحاً وكأن الأمور على ما يرام؟ أليس من الواجب عليها، على الأقل، إصدار بيان استنكار قبل التغريد؟
الغريب أن هؤلاء يمتلكون قدرة عجيبة على اكتشاف العيوب في كل شيء، حتى في الأشياء التي لم تُخلق أصلاً لتكون موضوعاً للنقاش. فلو اجتمع الناس على طبق “طعام” في ليلة رمضانية لخرج أحدهم ليقول إن حبات السميد غير متساوية في الحجم، وأن في الأمر خللاً بنيوياً يستحق لجنة تقصي حقائق.
وإن مدحتَ شيئاً بسيطاً، شارعاً نظيفاً أو مبادرة طيبة، نظر إليك بعضهم نظرة طبيب يشك في أعراض مرض نادر، ثم قال بجدية: “أنت لا ترى الصورة الكاملة”. الصورة الكاملة، على ما يبدو، هي أن كل شيء معيب، وكل شيء مشبوه، وكل شيء يستحق معارضة عاجلة ولو كان عصفوراً يغني فوق غصن زيتون.
والحق أن المعارضة، في معناها النبيل، ضرورة لأي مجتمع حي؛ فهي مرآة تصحح الأخطاء وتكشف العيوب. لكن حين تتحول إلى هواية يومية في انتقاد الهواء الذي نتنفسه، فإنها تصبح أشبه بشخص لا يعجبه العجب ولا صيام رجب، ولا حتى شهر عجب نفسه.
وهكذا صار المشهد في الجزائر، أحياناً، طريفاً أكثر مما هو سياسي: معارض غاضب من الحكومة، ومن المعارضة، ومن الطقس، ومن الأشجار، ومن العصافير، وربما، في لحظة صفاء نادرة، من نفسه أيضاً. ولو سُئل في النهاية: ما الذي يرضيك؟ لتردد قليلاً، ثم قال بوقار المفكرين:
“في الحقيقة… أنا أعترض أولاً، ثم أبحث لاحقاً عمّا كنت أعترض عليه!!”.