ما قل ودل

البودكاسيت “الكتاب السّمعي- البصَري”…من النُّخبَويّة إلى الجَمهور في طَرح قضايا الدِّين والهُويّة

شارك المقال

هل سيصير “البودكاسيت” الكتاب الجديد الذي يوفّر مساحة زمنيّة ومفتوحة للجميع، وفيه “النّفس الطّويل” ويتجاوز نقائص منصّات التّواصل الاجتماعي التّقليديّة؟

أتابع بعض منصّات البودكاسيت مثل: ثمانية (فنجان) ومنبت (شبكة أثير)، ومجتمع، وتبيان، وألف. وهي تتناول مراجعة التّراث الدّيني والفقهي، والفلسفة وعلاقة الدّين بالدولة ومفاهيم الحريّة والعدالة في الفكر العربي. ما يميّز البودكاسيت هنا أنك تسمع نبرة المؤلف الذي اعتدت قراءة كتبه في غياب حضوره، وقد تستطيع سماعها وأنت تسوق أو تمشي أو في قاعة انتظار.

ما يُلاحظ في هذه المنصّات أنها أحياناً تخدع المشاهد وكأنّ هذه الأفكار التي يطرحُها الضّيف جديدة ومن اجتهاده الخالص في حين هي أفكار من سَبقه، مثل إعادة آراء محمد شحرور وحسن حنفي ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وغيرهم (مثال: جدليات مع عمرو عبدالحميد)، وبودكاسيت يتفكّرون (التّابع لقناة الغد).

والقصد هنا أنواع البودكاسيت التي يديرها بعض اللاأدريين أو الحداثيين العرب، لأن ما يهمّ صاحب البودكاسيت هو عدد المشاهدات والمتابعين، وبالتّالي هو لا ينبّهه إلا أنّ هذه الفكرة من اجتهاد غيره، كما أنّ “الرّوح الأيديولوجية” التي ترى في الفكر الديني سبب التخلّف ووجب نقده أو التخلّص منه لا تنقلنا من معارك أيديولوجية سَابقة عشناها ونعيد ملاحمها اليوم بالأفكار نفسها، ولكن عبر البودكاسيت أو المنصّات الرّقمية وليس الكتاب أو الندوات المفتوحة. وأذكر هنا كمثال بودكاسيت قصي بيطار، أو نقد الأديان كلها مثال لقاءات خزعل الماجدي.

ترى هل سيكون البودكاسيت البديل عن الكتاب الورقي والنّدوات المفتوحة لما يُوفِّره من علاقة تفاعلية مع المفكّرين والكتاب، واستخدامه اليوم للذكاء الاصطناعي والترجمة والديكور الجميل؟ إنّ حضور نبرة صوت المؤلف وحركاته وضحكاته ونكته واستعمال اللغة العربية الدارجة وتقريب المفاهيم والتحرّر من اللغة الاصطلاحية الأكاديمية هي كلّها عوامل تجلُب المشاهدة لكن الخوف أنّ المتلقّي يُعتبر رقماً فقط في ملعب شبيه بمتابعة كرة قدم أو متابعة فيلم سينمائي ويغيب التّفاعل النّقدي والابتكار والمناقشة والنّقد، فيكون الاستهلاك وليس الدّفع نحو المعرفة والتّفكير.

أكثر البلدان استثماراً في مجال البودكاسيت السّعودية والإمارات العربية ومصر، وهناك تجارب أخرى في بلدان عربيّة تستغلُّ البودكاسيت من أجْل الصّراع السياسي ونشر الكراهيّة والتذرّف وتزوير التاريخ من أجل المغالبة السيّاسيّة أو الدّينيّة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram