ما قل ودل

انتهى زمن حرب الصدمة الأولى…إيران تستعيد زمام حروب الإستنزاف

شارك المقال

شهدت منطقة الشرق الأوسط تصعيداً عسكرياً خطيراً منذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فيفري، وهو تصعيد لا يمكن فهمه بوصفه مجرد انفجار مفاجئ للتوترات المتراكمة، بل كحلقة ضمن مسار استراتيجي أعمق. فالقراءة التحليلية لسلوك طهران خلال السنوات الماضية تشير إلى أن إيران لم تتعامل مع احتمال الحرب باعتباره سيناريو بعيداً، بل باعتباره احتمالاً مؤجلاً يتطلب استعداداً طويل المدى، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو الجيوسياسي.

 من الردع التقليدي إلى حرب الاستنزاف غير المتكافئة

اعتمدت الاستراتيجية الإيرانية على مبدأ قلب معادلة الصراع عبر نقل الحرب من نمط “الحسم السريع” الذي تفضله القوى العسكرية الكبرى إلى نمط “الاستنزاف طويل الأمد”. فبدلاً من مواجهة التفوق العسكري التقليدي لواشنطن وتل أبيب في معركة مباشرة، عملت طهران على تطوير منظومة ردع غير متماثلة تقوم على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وشبكات الحلفاء الإقليميين. هذه الأدوات منخفضة الكلفة نسبياً مقارنة بالترسانة الغربية، لكنها قادرة على إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها السياسية والاقتصادية.

إلى جانب البعد العسكري، استثمرت إيران سنوات العقوبات في بناء ما يُعرف باقتصاد “المقاومة”، وهو نموذج يهدف إلى تقليل هشاشة الاقتصاد الوطني أمام الضغوط الخارجية. كما ركزت على توظيف الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة، خاصة الممرات البحرية الحيوية المرتبطة بالطاقة، ما يمنحها قدرة غير مباشرة على التأثير في الأسواق العالمية وخلق ضغط اقتصادي على خصومها.

كما يتصل هذا النهج بسياق التحولات في النظام الدولي، حيث تسعى طهران إلى الاستفادة من التنافس بين القوى الكبرى. فالتقارب مع روسيا والصين لا يعني بالضرورة تحالفاً عسكرياً مباشراً، لكنه يوفر لها دعماً سياسياً واقتصادياً في مواجهة الضغوط الغربية، ويعزز قدرتها على الصمود في حرب طويلة.

إيران تستثمر في نموذج “الفخ الاستراتيجي”

في ضوء هذه المعطيات، تبدو الاستراتيجية الإيرانية أقرب إلى نموذج “الفخ الاستراتيجي”، حيث يُدفع الخصم إلى خوض حرب وفق شروط لا تناسبه. فإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تراهنان على ضربة حاسمة سريعة، فإن إطالة أمد الصراع قد تحوّل التفوق العسكري إلى عبء سياسي واقتصادي. وفي هذه الحالة قد تنتهي الحرب – وفق هذا المنطق – إلى تسوية أو وقف إطلاق نار يكرّس واقعاً جديداً يعترف بقدرة إيران على فرض كلفة عالية على خصومها، حتى دون تحقيق انتصار عسكري تقليدي.

في النهاية، تؤكد هذه المواجهة إحدى القواعد الكلاسيكية في دراسات الحروب غير المتكافئة: أن التفوق في السلاح لا يضمن النصر دائماً، وأن إدارة الزمن والقدرة على الاستنزاف قد تتحولان إلى أدوات استراتيجية حاسمة في إعادة تشكيل موازين القوة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram