ما قل ودل

أنسيلم تورميدا…من قسيس في مايوركا إلى عبد الله الترجمان

رحلة إيمانية خاضها أنسليم لكي يصبح عبد الله

شارك المقال

بعد أفول شمس سقوط الأندلس، برزت شخصيات استثنائية أعادت تشكيل مساراتها الفكرية والدينية في زمن التحولات الكبرى. ومن أبرز هذه الشخصيات القس أنسيلم تورميدا، الذي تحوّل لاحقًا إلى عبد الله الترجمان، في قصة تجمع بين البحث العلمي والجرأة الفكرية.

من حلقات العلم إلى لحظة الشك

نشأ أنسيلم في مايوركا، وكان من طلبة العلم المجتهدين، حتى حظي بخدمة أحد كبار القساوسة، نقلاو مارتيل، الذي كان يقصده الطلاب من مختلف المناطق لدراسة الإنجيل.

وفي إحدى الحصص التي غاب فيها أستاذه بسبب المرض، توقف الطلبة عند نص إنجيلي لم يجدوا له تفسيرًا واضحًا:
“وأنا أطلب من الآب فيعطيكم مُعزّيًا آخر”.

هذا النص، الذي بدا عابرًا في ظاهره، تحوّل إلى نقطة تحوّل في مسار أنسيلم، حين عاد إلى أستاذه طالبًا تفسيره، ليواجه ردًا مفاجئًا يحمل الكثير من الغموض والخوف.

سر “المُعزّي”… وبداية التحوّل

بحسب الرواية، كشف القس لتلميذه أن تفسير هذا النص يحمل دلالة عميقة، واعتبر أن “المُعزّي” إشارة إلى النبي محمد عليه أفضل الصلاة و التسليم، وهو ما شكّل صدمة فكرية لأنسيلم.

هذا الحوار فتح أمامه باب التساؤل حول حقيقة الأديان، ودفعه إلى إعادة النظر في معتقداته. ورغم قناعة أستاذه، إلا أنه لم يجرؤ على إعلان ذلك، مبررًا موقفه بالخوف على مكانته وحياته.

أما أنسيلم، فقد اختار طريقًا مختلفًا، طريق البحث والتغيير، متجهًا نحو أرض جديدة تحمل له إجابات أعمق.

إسلامه على طريق الصحابي عبد بن سلام

شدّ أنسيلم الرحال نحو تونس، حيث استُقبل بحفاوة نظرًا لمكانته العلمية. وبعد فترة، قرر إعلان إسلامه أمام السلطان أبو العباس أحمد، لكن بطريقة لافتة.

طلب أولًا استدعاء كبار النصارى وسؤالهم عن مكانته، فأجمعوا على أنه من أعلم رجال دينهم. عندها أعلن إسلامه أمامهم، في مشهد صادم للحاضرين، الذين عجزوا عن تفسير قراره.و هو نفس الموقف الذي وقفه كبير الأحبار عبد الله بن سلام أمام اليهود في حضرة رسولنا الكريم بعد إعان إسلامه.

بعد ذلك، بدأ مرحلة جديدة من حياته، حيث تعلم اللغة العربية، وغيّر اسمه إلى “عبد الله الترجمان”، وانخرط في التأليف والبحث.

إرث فكري في مقارنة الأديان

لم يكتفِ عبد الله الترجمان بإعلان إسلامه، بل ترك أثرًا فكريًا مهمًا من خلال كتابه الشهير “تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب”، الذي يُعد من أوائل المؤلفات التي تناولت مقارنة الأديان، مستندًا إلى نصوص من الكتاب المقدس نفسه.

وقد روى في هذا الكتاب قصة تحوّله، مقدّمًا نموذجًا لشخصية جمعت بين المعرفة الدينية العميقة والجرأة في اتخاذ القرار.

في النهاية، تبقى قصة أنسيلم تورميدا مثالًا على أن البحث عن الحقيقة قد يقود الإنسان إلى مسارات غير متوقعة، حيث لا يكون التغيير ضعفًا… بل شجاعة فكرية تعيد تشكيل المصير.

المصدر: منقول بتصرف

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram