ما قل ودل

الإعلام البديل يتفوق على التقليدي…كارلسون يفحم “دي إيكونوميست”

شارك المقال

في لحظة إعلامية نادرة، تحوّل حوار جمع بين زاني منتون بيدوس، رئيسة تحرير مجلة ذي إيكونوميست، والإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون إلى مرآة تعكس تصدّعًا عميقًا داخل بنية الإعلام الغربي. لم يكن اللقاء مجرد نقاش عابر، بل مواجهة بين مدرستين: إعلام تقليدي مقيّد بما يُعرف بـ”الآداب المرعية”، وآخر متمرّد يسعى إلى كسر السقف وطرح الأسئلة المحرّمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بـ إسرائيل.

غزة تكشف المستور

لطالما التزم جزء كبير من الإعلام الغربي بنمط لغوي وسياسي محسوب بدقة، خاصة في تغطية القضايا المرتبطة بإسرائيل. هذا الالتزام لا يعكس فقط حرصًا على التوازن، بل أيضًا خوفًا ضمنيًا من تجاوز خطوط غير مكتوبة. في هذا السياق، بدا خطاب بيدوس متماشيًا مع هذه المدرسة، حيث افتتحت حديثها بإدانة الهجوم على إسرائيل، قبل أن تنتقل بحذر إلى وصف ما يجري في غزة كـ”كارثة إنسانية”.

هذا التدرج في الطرح يعكس ما يمكن وصفه بـ”الالتفاف حول الحقيقة”، حيث يتم تقديم الوقائع ضمن إطار لغوي يجنّب الصدام المباشر مع السردية السائدة. غير أن هذا الأسلوب، الذي ظل لسنوات معيارًا للمهنية في الإعلام الغربي، بدأ يواجه تحديات متزايدة مع تغير المزاج العام.

 كسر السقف وطرح الأسئلة المحرّمة

على النقيض، جاء تدخل كارلسون ليكسر هذا النسق، حين قاطع محاورته مستغربًا توصيف “الكارثة” باعتبارها تهديدًا لمستقبل إسرائيل، بدل التركيز على الضحايا أنفسهم. هذا التحول في زاوية النظر لم يكن مجرد اختلاف في التعبير، بل إعادة تعريف لمركز الحدث: من الدولة إلى الإنسان.

كارلسون لم يكتفِ بالنقد، بل ذهب أبعد من ذلك حين فكك الأسئلة التقليدية، خاصة تلك المرتبطة بـ”حق الوجود”، معتبرًا أنها تعيد إنتاج خطاب سياسي أكثر مما تبحث عن الحقيقة. وعندما تم ربط الأمر بالنظام الدولي بعد 1945، أعاد توجيه النقاش نحو قضايا مثل انتهاك السيادة وازدواجية المعايير، في إشارة إلى أن المبادئ لا تُطبّق بالقدر نفسه على الجميع.

بروز دور الإعلام البديل

ما كشفه هذا الحوار يتجاوز شخصي بيدوس وكارلسون، ليعكس تحولًا أعمق داخل المشهدين الإعلامي والسياسي في الغرب، خصوصًا داخل الولايات المتحدة. فالقضية التي كانت تُعد من “المحرّمات” بدأت تدخل دائرة النقاش المفتوح، بل وأصبحت محور انقسام داخل التيارات السياسية، بما في ذلك أوساط مرتبطة بحركة “MAGA”.

هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات، من بينها تصاعد دور الإعلام البديل، وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية، إضافة إلى التأثير المتزايد لشخصيات إعلامية قادرة على مخاطبة جمهور واسع خارج الأطر الكلاسيكية.

الفرق بين المهنية والجرأة

رغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن بيدوس تمثل مدرسة إعلامية عريقة، وأن ما تقدمه ذي إيكونوميست يظل مرجعًا مهمًا في التحليل العالمي. غير أن هذا لا يمنع من الإقرار بأن “المحرّم” الذي كان يحيط ببعض القضايا، وعلى رأسها إسرائيل، لم يعد صلبًا كما كان في السابق.

اليوم، يقف الإعلام الغربي أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في الالتزام بقواعد “الآداب المرعية” كما هي، أو التكيف مع واقع جديد يفرض قدرًا أكبر من الجرأة في الطرح. وبين هذين الخيارين، تتشكل ملامح مرحلة جديدة، قد تعيد تعريف معنى المهنية الإعلامية نفسها.

المصدر: The Economist -بتصرف-

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram