ما قل ودل

​الجزائر وموازين القوى…استراتيجية “التموقع الذكي” وسط الفوضى العالمية

شارك المقال

تعيش الخارطة السياسية والاقتصادية العالمية حالة من إعادة التشكيل، وفي ظل هذا الاضطراب، تبرز الجزائر كلاعب ترفض الانخراط الكامل في الأحلاف الجامدة، مفضلةً سياسة الاستقلال الاستراتيجي، من منطلق المناورة في المناطق الرمادية و تطبيق استراتيجية التموقع الجيو-سياسي ك”رقم صعب” في معادلة الكبار, هذا النهج، رغم ما يواجهه من تحديات داخلية، يضع الدولة في منطقة تقاطع مصالح القوى العظمى.

الرهان الجيوسياسي

​الجزائر اليوم ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي “بوابة إفريقيا” وقلب المتوسط النابض طاقوياً, و​بالنسبة لأوروبا هي الضامن الموثوق لأمن الطاقة – الغاز – بعيداً عن التجاذبات الروسية.
و​بالنسبة للصين هي الركيزة الأساسية في مبادرة “الحزام والطريق” للولوج إلى عمق القارة السمراء أما ​بالنسبة للولايات المتحدة فهي الشريك الأمني والاستخباراتي الذي لا يمكن تجاوزه في منطقة الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب والحد من النفوذ الروسي المتزايد.

مقاربة “رابح – رابح”…مقابل الضغوط الخارجية

​بينما تتعرض دول وازنة في المنطقة مثل السعودية لضغوط مباشرة من القوى الغربية سواء في ملفات التطبيع أو صفقات التسلح وحرب الاستنزاف، تتبنى الجزائر خطاباً سياسياً سيادياً يتسم بالندّية ،من خلال رفض الزيارات البروتوكولية أو فرض شروط معينة لاستقبال القادة مثل ميلوني أو الجانب الإسباني، ما يعكس رغبة في تحويل “الحاجة الدولية للجزائر” إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة.

آفاق 2026-2027 وحلم الـ 400 مليار دولار

​التصريحات الرسمية حول مضاعفة المداخيل ليست مجرد أرقام للاستهلاك المحلي إذا ما نُظر إليها من زاوية “التنويع الطاقوي والاستثمار في التعدين” على غرار ​مشروع غار جبيلات، واستثمارات الفوسفات، والتوجه نحو الهيدروجين الأخضر، هي أوراق ضغط اقتصادية قادمة.
​إذا استمرت حالة الاستقرار الداخلي حتى نهاية 2026، فإن الجزائر ستكون قد عبرت “عنق الزجاجة” لتبدأ في حصاد ثمار تموقعها كبديل استراتيجي للصين وأمريكا في آن واحد.

اللاعب الذي لا يمكن الاستغناء عنه

​يجب الاعتراف بواقعية أن الاقتصاد الجزائري لا يزال في مرحلة “النقاهة والهيكلة”،القوة العسكرية والاستخباراتية التي تتفوق فيها الجزائر إقليمياً هي “درع” يحمي الدولة، لكن “السيف” الحقيقي هو الاقتصاد.
​إن اضطراب الوضع في الشرق الأوسط قد يرفع أسعار الطاقة ويخدم ميزانية الجزائر، لكنه يضع ضغوطاً أمنية هائلة على الحدود، و الذكاء هنا يكمن في البقاء “خارج الصراع” و”داخل اللعبة” في آن واحد.
​الجزائر حالياً لا تسعى لتكون “قطباً” يوازي أمريكا أو الصين، بل تسعى لأن تكون “اللاعب الذي لا يمكن الاستغناء عنه”،هذا التموقع الذكي يجعل من محاولة زعزعة استقرارها “خطاً أحمر” دولياً، فأمن الجزائر من إفريقيا و حتى من أمن أوروبا .

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram