ما قل ودل

“الجواهر”…تحقيق علمي يعيد إحياء التراث الثقافي الجزائري في زمن المحن

شارك المقال

البروفيسور العربي بوعمامة

في خطوة علمية تعكس وعيًا متقدمًا بأهمية استعادة الذاكرة الثقافية الوطنية، يقدّم الباحث والمؤرخ الدكتور حمدادو بن عمر تحقيقًا رصينًا لكتاب “الجواهر الحسان ”، أحد النصوص العلمية التي ألّفها الشيخ عبد الباقي بن محمد الطاهر الشعاعي الدرقاوي (ت 1348هـ/1927م)، ليضعه مجددًا بين أيدي الباحثين والمهتمين بالتراث الجزائري.وقدم لهذا التحقيق الأستاذ بومدين بوزيد المفكر الجزائر المعروف والمتخصص في التراث الجزائري.

يمثّل كتاب “الجواهر” نموذجًا حيًا للكتابة العلمية في الجزائر خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهي مرحلة اتسمت بظروف استعمارية قاسية. ورغم التضييق، ظلّ التراث الثقافي الجزائري فضاءً منتجًا للعلم، حافظًا للهوية، ومقاومًا ثقافيًا ومعرفيًا.

في هذا السياق، يأتي نشر هذا الكتاب ليؤكد أن الإنتاج العلمي لم يتوقف، بل تواصل في أشكال تقليدية متينة، حملت في طياتها أبعادًا تربوية وروحية عميقة.

بنية علمية متكاملة

ينتمي “الجواهر” إلى تقليد علمي مغاربي أصيل، يقوم على الجمع بين:
-العقيدة (التوحيد) باعتبارها أساس البناء الديني
-الفقه لتنظيم العبادات والمعاملات
-التصوف (السلوك) لتهذيب النفس

وقد حافظ الشيخ الشعاعي على هذا النسق المنهجي، فجاء نصّه واضحًا، مبسطًا، موجّهًا للطلبة والمبتدئين، مع اعتماد النظم الشعري في بعض المواضع لتيسير الحفظ، وهو أسلوب تعليمي شائع في التراث التعليمي.

حمدادو بن عمر…مدرسة في التحقيق

لا يقتصر هذا الإصدار على مجرد نشر نص تراثي، بل يعكس خبرة علمية متراكمة للمحقق الدكتور حمدادو بن عمر، الذي يُعد من أبرز المتخصصين في تحقيق التراث الجزائري، وصاحب إسهامات معتبرة في هذا المجال.

عرف عنه اهتمامه العميق بمصادر التاريخ الثقافي والديني في الجزائر، كما يُعد من الباحثين المتخصصين في دراسة وتحقيق كتابات أبي راس الناصري، أحد أعلام الفكر والتاريخ في الغرب الجزائري. وقد مكّنه هذا التخصص من الإلمام بالمنهجيات الدقيقة في قراءة المخطوطات، وضبط النصوص، وربطها بسياقاتها التاريخية والمعرفية.

ويؤكد هذا العمل مكانة حمدادو بن عمر كـ”صاحب مشروع موسوعي في التحقيق حول أعمال أبوراس الناصري “، يسعى من خلاله إلى إعادة بناء خريطة التراث الجزائري المكتوب وفق أسس علمية دقيقة.

دلالات علمية وثقافية

تكمن أهمية هذا الإصدار في عدة مستويات:
-توثيق مرحلة تاريخية عرفت تحديات كبرى
-إبراز قيمة التراث الثقافي الجزائري كمجال إنتاج معرفي
-إحياء نصوص تعليمية كانت معتمدة في التكوين الديني
-تعزيز الهوية العلمية الوطنية عبر استعادة مصادرها الأصلية

نحو قراءة جديدة للتراث

إن إعادة نشر كتاب “الجواهر” لا تمثل مجرد عمل أكاديمي، بل تفتح المجال أمام قراءات جديدة للتراث الجزائري، بعيدًا عن الاختزال أو التهميش، وتعيد الاعتبار لعلماء ساهموا في بناء الوعي الديني والثقافي في فترات حرجة من تاريخ البلاد.
وبهذا الجهد، يواصل الباحث حمدادو بن عمر مشروعه العلمي في صون الذاكرة الوطنية، مؤكدًا أن تحقيق التراث ليس مجرد نقل للنصوص، بل هو إعادة إحياء لسياقات كاملة من الفكر والمعرفة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram