ما قل ودل

معندكش معايا…الوجه المظلم للظاهرة والتنمر الممنهج

شارك المقال

تعتبر ظاهرة “ما عندكش معايا” من أغرب الإفرازات السلوكية التي طفت على سطح المجتمع الجزائري في الآونة الأخيرة، حيث تحولت من مجرد “لازمة” لفظية عابرة إلى ثقافة فرعية تتبناها فئات واسعة من المراهقين والشباب.

​هذا المقال يحلل أبعاد هذه الظاهرة، ارتباطها بالهوية البصرية – ماركة لاكوست-، وانعكاساتها الأخلاقية والاجتماعية.

سيميولوجية الكلمة من السخرية إلى الاستعلاء

​بدأت كلمة “معندكش معايا” كنوع من التحدي أو السخرية بين الشباب، لكنها سرعان ما تطورت لتصبح أداة للتصنيف الاجتماعي, ف​المعنى السطحي يشير إلى عدم امتلاك الشيء مال، لباس فاخر، نفوذ،و​المعنى العميق تطور ليصبح وسيلة لـ “التحقير” أو إقصاء الآخر الذي لا يتماشى مع معايير الجماعة العصابة أو الشلة.

الأخطر في هذه الظاهرة هو توجيهها نحو القيم؛ فبدل أن يُقال للشخص “معندكش هاتف غالي”، صار يُمارس ضده سلوك يوحي بأنه “معندكش مكانة” إذا كنت تملك أخلاقاً أو تلتزم بالهدوء، مما قلب الموازين التربوية

لاكوست من الأناقة الرياضية إلى زي العصابة

​ارتبطت علامة “التمساح” الفرنسية تاريخياً بالطبقات الراقية ورياضة التنس، لكن في السياق الجزائري المعاصر، حدث لها ما يسمى بـ “الاستلاب الهوياتي” ،حيث يُنظر لارتداء “الطقم” الكامل كإعلان عن الانتماء لطبقة “الغلابة” الذين صعدوا اجتماعياً، أو كدرع بصري يوحي بالقوة والتمرد.
وأصبح يرتبط ​ب “العصابة”،ففي المخيال الشعبي الجديد للمراهقين، أصبح هذا اللباس مرتبطاً بصورة الباوص, فمن يرتديها يشعر بأنه محمي بانتمائه لنمط حياة “الزنقة” الذي تروج له أغاني الراي “الملاهي” والسينما العشوائية.

وتحولت التكلفة المتمثلة في غلاء ثمن القطع الأصلية كمعيار و أداة لممارسة ظاهرة “معندكش” على الآخرين، مما خلق صراعاً طبقياً وهمياً بين الشباب.
​​حين نتوجه لهؤلاء الشباب ونقول “معندكش”، فنحن نضع الإصبع على الجرح. الظاهرة لم تعد مجرد موضة لباس، بل أصبحت “أزمة قيم” تتجلى في
​الوقاحة كدليل قوة ويعتبر المراهق المتأثر بهذه الظاهرة أن الأدب “ضعف” وأن الصراخ والبلطجة في الشوارع هي “الرجولة”, و​القدوة المشوهة هي استبدال صورة المتعلم أو المثقف بصورة “المحبوس” أو “البارون”، واعتبار نمط حياتهم هو النموذج الناجح, فاستخدام مصطلح “معندكش” للسخرية من الفقير، أو المتفوق دراسياً، أو الملتزم دينياً، مما يعزز العزلة الاجتماعية.

​يرى الخبراء أن هذه الظواهر تعكس فراغاً هوياتياً. المراهق يبحث عن التميز، وحين يعجز عن تحقيقه بالعلم أو الموهبة، يلجأ إلى ​التميز البصري بلباس ” لاكوست*، قص الشعر بطريقة معينة.
و​التميز اللفظي من خلال الاستعانة بالقاموس اللغوي السوقي الذي يعتمد على “معندكش” وباقي الكلمات السوقية الأخرى .

​إنها محاولة لفرض الذات في مجتمع يشعر فيه الشاب بالتهميش، لكنها محاولة تسلك الطريق الخطأ عبر تدمير الروابط الأخلاقية.

​مواجهة ظاهرة “معندكش” واختزال الرجولة في “ماركة لباس” تتطلب تكاتفاً مجتمعياً عبر ​الأسرة التي يجب استعادة دور الرقابة وعدم الانبهار بمظاهر الأبناء دون السؤال عن مصدر القيم، وكذا ​المدرسة, من خلال إعادة الاعتبار للتربية الأخلاقية وتفكيك شيفرات هذه الثقافات الدخيلة.

​الإعلام وصناع المحتوى

التوقف عن تمجيد صورة “المنحرف” في الدراما والأغاني، وتقديم نماذج نجاح حقيقية، ف​الأخلاق هي الرأس مال الحقيقي، و”الرجولة” مواقف وليست مجرد “علامة تجارية” على القماش.

من يقول للآخر “معندكش” بناءً على مادة زائفة، هو في الحقيقة من “ما عندوش” أخلاق و “معندوش” إدراك لمعنى الإنسانية والكرامة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram