يُعدّ فيرناند إيفتون Fernand Iveton من أكثر الشخصيات إثارة في تاريخ الثورة الجزائرية، إذ مثّل نموذجًا نادرًا لأوروبي مسيحي اختار الانحياز إلى الشعب الجزائري، ودفع حياته ثمنًا لقناعته. لم يكن مجرد مناضل عادي، بل تحوّل إلى رمز أخلاقي وسياسي يعكس عالمية النضال ضد الاستعمار.
من بيئة استعمارية إلى وعي ثوري
وُلد فيرناند إيفتون سنة 1926 في الجزائر العاصمة، وسط عائلة أوروبية، في بيئة كانت تمنحه امتيازات واضحة مقارنة بالجزائريين. غير أن احتكاكه اليومي بواقع التمييز والاستغلال الاستعماري دفعه إلى مراجعة مواقفه مبكرًا.
انخرط في البداية في الحزب الشيوعي الجزائري، حيث وجد في الفكر اليساري إطارًا يعبر عن رفضه للظلم الاجتماعي والاستعماري. ومع تصاعد الثورة، لم يتردد في الالتحاق بالكفاح المسلح إلى جانب جبهة التحرير الوطني، مؤكدًا أن الانتماء الحقيقي يُقاس بالموقف لا بالأصل.
من “معركة الجزائر” إلى المقصلة
شارك إيفتون في عمليات فدائية ضمن ما عُرف بـ”معركة الجزائر”، مستهدفًا منشآت حيوية للاستعمار الفرنسي. وفي نوفمبر 1956، حاول تنفيذ عملية تفجيرية دون نية إيقاع ضحايا، غير أن فشلها أدى إلى اعتقاله وتعذيبه.
حُوكم بسرعة، وصدر بحقه حكم الإعدام، رغم حملات التضامن الواسعة. وفي 11 فيفري 1957، تم تنفيذ الحكم بالمقصلة في سجن سركاجي، ليصبح الأوروبي الوحيد الذي أُعدم خلال الثورة الجزائرية بالمقصلة.
وقد أثار هذا القرار جدلًا كبيرًا داخل فرنسا، خاصة مع تورّط شخصيات سياسية بارزة مثل الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران، الذي رفض منحه العفو، وهو ما كشف لاحقًا عنه المؤرخ بن جامين ستورا.
إرث إنساني عابر للحدود
اليوم، يُستحضر اسم فيرناند إيفتون كرمز للتضامن الإنساني العابر للهويات الضيقة. فقد أثبتت تجربته أن النضال من أجل الحرية لا يرتبط بالعرق أو الأصل، بل بالقيم والمبادئ.
إعدامه لم يُنهِ حضوره، بل زاد من رمزيته، خاصة في الأوساط التقدمية التي رأت فيه مثالًا على الشجاعة الأخلاقية. كما أن قضيته تظل شاهدًا على تناقضات الخطاب الاستعماري الفرنسي، الذي رفع شعارات الحرية، لكنه قمع من جسّدها فعليًا.
قصةفيرناند إيفتون ليست مجرد صفحة من تاريخ الثورة الجزائرية، بل هي درس إنساني عميق في معنى الالتزام والاختيار. إنها تذكير بأن العدالة قد تجد أنصارها في أكثر الأماكن غير المتوقعة، وأن الحرية كانت دائمًا قضية عالمية تتجاوز كل الحدود.