ما قل ودل

الوطن أغلى من المال و الشهرة…هكذا عاش قدور بخلوفي”أمير موناكو”

صورة صحفي المقال مع الأسطورة قدور بخلوفي

شارك المقال

من حياة القصور وعقود الملايين في إمارة موناكو، إلى خنادق الثورة بقميص “جبهة التحرير الوطني”.. قصة البطل الوهراني الذي كتب اسمه بمداد الذهب في أرشيف النضال الرياضي.

 وهران التي أرضعت “الأشبال” حب الوطن

لم يكن قدور بخلوفي مجرد لاعب كرة قدم عابر، بل كان موهبة فذة صقلتها شوارع الباهية وهران. في تلك الأزقة التي تعبق بروح المقاومة، تعلم “عمي قدور” أبجديات الكرة ورضع معها حب الوطن، فكان يداعب الكرة بمهارة استثنائية جعلت منه ظاهرة كروية في سن مبكرة.

لقد أبان الفقيد عن علو كعبه منذ الصغر، حيث قفز من فئة الأشبال ليلعب مع الأكابر مباشرة، متحدياً فوارق السن والبنية الجسدية بذكائه الكروي. هذه الموهبة الفطرية لم تبقَ حبيسة الملاعب المحلية، بل سرعان ما جعلت منه مطمعاً لكبرى الأندية الأوروبية والعالمية التي بدأت تترصد خطواته لضمه إلى صفوفها.

بعد صراع كروي أوروبي محتدم للفوز بخدماته، نجحت إمارة موناكو في حسم الصفقة لصالحها. وفي تلك المدينة الساحلية، لم يكتفِ بخلوفي بمجرد اللعب، بل سحر الجماهير والنقاد بلمساته الفنية الساحرة وصالاته وجولاته التي كانت تلهب مدرجات الملاعب الفرنسية.

لقد نال لقب “أمير الإمارة” من أميرة موناكو شخصياً “جراس كيلي”، التي أبهرتها مهاراته الفريدة، فكان هذا اللقب تشريفاً لازمه طوال مسيرته الكروية. وفي الوقت الذي كان فيه معظم الشباب يغامرون بحياتهم للوصول إلى الضفة الأخرى، كان بخلوفي يعيش حياة الأمراء فعلياً، بعقد خيالي في ذلك الوقت بلغت قيمته 50 مليون فرنك فرنسي قديم، وهو مبلغ يعكس القيمة الفنية الهائلة التي كان يتمتع بها.

نداء الوطن لا يقبل التأجيل

يروي “عمي قدور” في حوار أجراه معه صحفي المقال خلال أيامه الأخيرة تفاصيل التحول التاريخي في حياته بدموع الفخر والحنين، مستذكراً ذلك اليوم الخريفي الذي غير مجرى حياته تماماً. حينها، فاتحه زميله الأسطورة رشيد مخلوفي بسرٍّ عظيم، واضعاً إياه أمام خيار تاريخي: إما الالتحاق بالثورة أو نسيان الأمر تماماً وكأن شيئاً لم يكن.

لقد كانت جبهة التحرير الوطني تريد تشكيل منتخب يمثل القضية الجزائرية في المحافل الدولية، ودون أدنى تفكير، اشتعلت نار الوطنية في قلب بخلوفي، ليختار التخلي عن الشهرة والمال في سبيل إعلاء راية الوطن. وبمباركة من زوجته التي شاركته هذا القرار المصيري، بدأت رحلة “الهروب الكبير” نحو تونس عبر الحدود السويسرية، ليكون واحداً من أعمدة فريق جبهة التحرير الوطني (FLN).

من الميادين العالمية إلى النضال الثوري

لم تكن رحلة بخلوفي مع منتخب الأفالان مجرد مباريات كرة قدم، بل كانت جولة ديبلوماسية بامتياز للتعريف بحق الشعب الجزائري في الاستقلال. طاف “عمي قدور” رفقة رفاق دربه أمثال زيتوني، معوش، والآخرين دول المعسكر الشرقي وآسيا، حيث واجهوا منتخبات كبرى مثل الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وفيتنام.

وخلال هذه المسيرة، حظي بخلوفي بلقاء كبار زعماء التحرر في العالم، حيث صافح فيدل كاسترو، وتشي جيفارا، وتيتو، ونيهرو، وهو شي منه، ليكون سفيراً فوق العادة للثورة الجزائرية، مرسخاً فكرة أن الرياضة هي أحد أقوى الأسلحة في وجه الاستعمار.

بعد الاستقلال، لم يتوقف عطاء بخلوفي، بل استمر وفياً لبلده، حيث سخر خبرته الكبيرة لتطوير الكرة الجزائرية، سواء كمدرب قاد فريق جمعية وهران (ASMO)، أو كمصلح ومستشار يسعى دائماً لتقديم الحلول في أزمات الكرة الوطنية، وظل حتى آخر أيام عمره مثالاً للنزاهة والوفاء.

رحل “أمير موناكو” ومجاهد الأفالان، تاركاً خلفه درساً للأجيال القادمة في معنى التضحية؛ درسٌ يقول إن الوطن أغلى من المال، وأبقى من الشهرة الزائفة.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والرحمة لفقيد الكرة والوطن قدور بخلوفي.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram