ما قل ودل

الاستشْرافُ والتّفكيرُ الاسْتِباقِي…ذخِيرةُ “العقل” و”القوّة الإعلاميّة النّاعِمة”،وحِصْنُ “الذّاكرة الجماعيّة”

شارك المقال

إنّ كلمة رئيس أركان الجيش الوطني الشّعبي الفريق السّعيد شنقريحة في ملتقى “التّهديدات الخارجيّة في ظلّ التّحوّلات الجيوسياسيّة والتّكنولوجيّة: تحدّيات أمنيّة ورهانات استراتيجيّة”، الذي نظّمته “المديرية العامّة للوثائق والأمن الخارجي” بنادي الجيش بالعاصمة رسالة واضحة: في كوْن المستقبل الأمني والسّياسي، ولتظَلّ الجزائر كشريكٍ دولي موثوق ورقم فاعِل في مجالها الحيوي-الأمني، ولها قدرة على صنع القرارات الاستراتيجية ونضج السّياسة العامّة للدولة، وجب علينا: التّفكير الاستباقي وتعزيز آليات الاستشراف الاستراتيجي والأمني.

بمعنى أّنّ لا بديل لنا سِوى “العلم” و”التكنولوجيا الرّقمية”، وقد أبانت الأوبئة والحروب في هذه العشرية أن لا مستقبل خارج التطوّرات التّكنولوجية في مجال الرقمنة والإعلام. وتَصادَف ذلك مع حَدثٍ دولي: زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر ومناسبة وطنية لم يُجدّد إحياؤها وثوبها وألوانها “يوم العلم”، وهما مناسبتان تتعلّقان بالتاريخ والذّاكرة، وتنظران إلى المستقبل برؤية علينا تفعيلها بالإبداع والتحرّر من ّالذاكرة الشِّقاقيّة” التي تقرأ ميراثها كثنائيّة إقصائيّة عِدائية تشوّش على “الهُويّة الجامعة” و”الذّاكرة الجماعيّة”.

إنّ الاستباقية التي تحدث عنها السيّد الفريق تتطلّب تكاملاً معرفيّاً واستراتيجياً في النّظر إلى الإبتكار والعلم في المجالات الإنسانية والاجتماعيّة، وأنّ الفنون والجماليات وعلوم الذّوق والوجدان شفاءٌ للمواطن وقوّة نفسية من أجل العمل وأن يكون مسالماً ومواطناً صالحاً يسعى في الخير، فالخطابات الوعظيّة والسّياسية قد لا تفي الغرض وتصبح ممجوجة في الرّأي العام إذا كان الوعّاظُ والسّياسيون والنشطاء المدنيّون يمارسون النِّفاق والانتهازيّة والوصوليّة، وهنا يكون الشَّرخ بين النّخب والمواطنين.

كما أن التفكير الاستباقي في قضايا الهُويّة والتّاريخ والذاكرة وهي فضاءات مفتوحة للنّقاش لكنها تلتقي عند “رمزيّات مشتركة” لها حضورها وتأثيرها، وأذكر هنا أن “بناء الهُوية” في البلدان الغربيّة في مراحلها المعاصرة ساير بناء الصناعة والمجتمعات الليبرالية المعاصرة، وكان تحصيناً لذاتها، تطورت هذه الهويات المختلفة إلى “كيان سياسي واحد” يسمّى “الاتحاد الأوربي”.

إنّ ضرورة وجود مراكز بحث استشرافية –استباقية “Think Thanks” أصبح اليوم ضرورة لوضع رؤى المدى القصير والمدى البعيد، وإن إنفاق الدّولة التّقليدي على بعض الهيئات والمؤسسات الرّسميّة التي تنشط كجمعيّات ثقافية عادية يحتاج إلى مراجعة من أجْل ترشيد النّفقات وتحويلها إلى مؤسّسات تجمع بين البحث العلمي والرّؤية السياسيّة الاستراتيجيّة للدّولة، وقد لا حظنا كيف كنّا محتاجين إلى مركز حقيقي لتاريخ الأديان وحوار الحضارات وليس إلى نصوص وتكرار ما قيل منذ سنوات غابرة، أو النّقل والمسخ من مواقع إلكترونية ومن الشّيخ جي بي تي، وربما لاحظتم ذلك في تدخلات بعض من يدّعي علماً وخبرةً في الأديان و أوغسطين في وسائل الإعلام، ومن المخاطر التي يبقى تهديدها حاضراً زيادة منسوب “الكراهيّة” و”التّكفير” و”نتانَة العِرقيّة”، واحتمال تحضير أرضية خِصبة “للطّائفيّة”.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram