احتضنت أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي، في أجواء علمية وثقافية متميزة فعاليات افتتاح سلسلة ندوات “شهر التراث” المنظمة بالشراكة مع المجلس الأعلى للغة العربية وبمساهمة عدد من الهيئات الأكاديمية والثقافية من داخل الجزائر وخارجها. ويأتي هذا الحدث في سياق وطني ودولي متزايد الاهتمام بقضايا التراث، باعتباره ركيزة أساسية في بناء الهوية وتعزيز الانتماء الثقافي.
وقد شهدت الجلسة الافتتاحية حضور نخبة من الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالشأن الثقافي، حيث تخللتها كلمات رسمية أكدت في مجملها على أهمية مثل هذه المبادرات في ربط البحث العلمي بقضايا المجتمع وإحياء الذاكرة الجماعية من خلال مقاربات متعددة التخصصات.
وفي كلمتها الافتتاحية، شددت البروفيسور سعاد بسناسي رئيسة الأكاديمية وعضو المجلس الأعلى للغة العربية على أن “شهر التراث” ليس مجرد تظاهرة ظرفية، بل هو مشروع فكري يسعى إلى إعادة الاعتبار للتراث بمختلف تجلياته المادية واللامادية، من خلال فتح فضاءات للنقاش العلمي الرصين. وأكدت أن الأكاديمية تراهن على جعل هذا الموعد منصة للتفاعل بين الباحثين وفرصة لتبادل الخبرات مع شركاء من جامعات ومراكز بحث وطنية ودولية.
من جهته، أبرز البروفيسور صالح بلعيد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية الدور المحوري للغة في صون التراث ونقله عبر الأجيال، معتبرًا أن اللغة العربية تمثل وعاءً حيويًا للذاكرة الثقافية والحضارية. كما دعا إلى ضرورة تكثيف الجهود البحثية التي تعنى بتوثيق التراث اللغوي والثقافي، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي قد تهدد بعض أشكال التعبير التراثي بالاندثار.
كما عرفت الجلسة تدخلات أخرى لعدد من الشركاء والفاعلين الثقافيين من بينهم الدكتور إدريس جرادات مدير مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي بفلسطين والسيدة رشيدة العامري مديرة المركز التفسيري ذي الطابع المتحفي للباس الجزائري التقليدي بتلمسان، الذين أكدوا على أهمية العمل التشاركي في حماية التراث وتثمينه، مشيرين إلى أن التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والثقافية يشكل رافعة أساسية لتحقيق تنمية ثقافية مستدامة.
وتندرج هذه الندوات ضمن برنامج علمي ثري تنظمه وحدة الدراسات الثقافية والهوية والتراث برئاسة الدكتور حسان بوسرسوب عضو الأكاديمية والأستاذ بجامعة سطيف 2، ويمتد على مدار شهر كامل، يتضمن محاضرات وورشات ولقاءات فكرية تعالج مواضيع متنوعة، من بينها التراث المعماري، والصناعات التقليدية، والذاكرة الشفوية، وكذا التحولات التي يشهدها التراث في ظل العولمة. ويهدف هذا البرنامج إلى تعزيز الوعي بأهمية التراث، ليس فقط كإرث من الماضي بل كعنصر فاعل في الحاضر ورافد أساسي لمشاريع التنمية المستقبلية.
ويؤكد هذا الحدث في مجمله، على الديناميكية التي تعرفها الساحة الثقافية الجزائرية، وعلى الدور المتنامي للمؤسسات الأكاديمية في إنتاج خطاب علمي نقدي حول التراث، يزاوج بين الأصالة والمعاصرة ويسهم في إعادة صياغة العلاقة بين المجتمع وموروثه الثقافي.