ما قل ودل

حسيبة بن بوعلي…”لبؤة القصبة” التي استشرفت استشهادها

شارك المقال

لا تذكر الثورة الجزائرية إلا ويقفز اسم “حسيبة بن بوعلي” كأيقونة للتضحية والجمال الثوري. لكن حسيبة لم تكن مجرد فدائية عابرة، بل كانت نتاجاً لتربة جزائرية ضاربة في التاريخ، جمعت بين جينات “بني سنجاس” المغراوية وعمق منطقة القبائل ، لتشكل لوحة وطنية فريدة انتهت بالشهادة تحت أنقاض القصبة.

من “بني سنجاس” إلى حوض الشلف

تنحدر حسيبة من عائلة عريقة؛ فوالدها عبد القادر بن بوعلي يعود لأصول من قبيلة “مغراوة” الزناتية، وبالتحديد من بطن “بني سنجاس” بضواحي الشلف. وهو ما ذكره ابن خلدون في “كتاب العبر”، واصفاً إياهم بأنهم من أوسع بطون مغراوة وأكثرهم عدداً.

سنجاس، الكلمة التي تعني بالأمازيغية “ملتقى الطرق”، كانت هي المسقط والرأس، بينما كانت والدتها من عائلة “أيت سعدي” المنحدرة من “تيزي وزو”، مما جعل حسيبة تجسيداً لوحدة النسيج  الجزائري.

من “كأس الحليب” إلى عيادة “بيير شولي” السرية

انتقلت حسيبة للعاصمة عام 1947، وهناك بدأ وعيها يتشكل. لم يكن انضمامها للثورة مجرد صدفة، بل كان نتيجة احتكاك مباشر ببؤس الشعب الجزائري من خلال عملها التطوعي في جمعية “كأس الحليب” بحي بلوزداد، وتدريبها كممرضة في مستشفى مصطفى باشا. هذا التكوين جعل منها “ملاك رحمة” للمجاهدين في عيادة الدكتور بيير شولي السرية، قبل أن تتحول إلى حلقة وصل حيوية في شبكة ياسف سعدي.

الرسالة الأخيرة…”إذا متُّ فلا تبكوا عليّ”

قبل استشهادها بـ 24 يوماً، كتبت حسيبة رسالة لوالديها (اكتُشفت عام 2010) تفيض بالمشاعر الإنسانية واليقين الثوري. تساءلت فيها عن “محمد الصغير” وعن “الجيران”، وأخبرت عائلتها بقرارها الصعب بالتوجه إلى “الجبل”.

“إذا مت، فلا يجب أن تبكوا عليّ، فسأكون قد مت سعيدة، أؤكد لكم ذلك.. الموت يأتي سريعاً خاصة في الحياة التي أعيشها”.

كانت هذه الكلمات بمثابة وصية الوداع لصبية لم تتجاوز التاسعة عشرة، اختارت أن تواجه قدرها بابتسامة الواثق.

و في 8 أكتوبر 1957، وبينما كان العالم يظن أن “معركة الجزائر” قد هدأت، كان الحصار يشتد على المنزل رقم 5 بشارع “عبدرام” بالقصبة. رفضت حسيبة الاستسلام رفقة علي لابوانت، عمر الصغير، ومحمود بوحميدي.

أقدمت القوات الاستعمارية على تفجير المنزل بالكامل، لترتقي حسيبة شهيدة تحت الأنقاض. لم تكن مجرد نهاية لمناضلة، بل كانت ولادة لرمز وطني خالد يزين اليوم أكبر شوارع العاصمة وأهم جامعات الوطن.

اليوم، حين يمر الجزائريون بشارع “حسيبة بن بوعلي” أو يدرس الطلبة في “جامعة الشلف” التي تحمل اسمها، هم لا يستحضرون مجرد اسم، بل يستحضرون قصة “لبؤة” آمنت بأن الحرية تُنتزع ولا تُستجدى، وأن “ملتقى الطرق” (سنجاس) الذي ولدت فيه، قادها إلى طريق واحد لا رجعة فيه: طريق المجد.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram