ما قل ودل

مصوّر دولي بنكهة وهرانية

شارك المقال

قرر السي عبد القادر الوهراني المعروف ببسودو “لافاني” فجأة، ومن دون سابق إنذار أو شهادة جامعية، أن مهنته الحقيقية هي “مصور صحفي دولي”. لم يمنعه كونه لم يدخل الجامعة يوماً، أو أن رصيده من الثقافة البصرية يتوقف عند صور “السيلفي” المهتزة في الأعراس؛ فبالنسبة لعبد القادر، الصحافة “موهبة من عند ربي” والشهادة مجرد ورقة لا تصلح حتى لـ “لفّ السندوتشات”.

انطلق عبد القادر إلى “سوق الحمري” الأسبوعي ليتسّلح بالعتاد، فعاد يحمل آلة تصوير ضخمة من العصر الحجري، مغلفة بجلد متهالك وتفوح منها رائحة المتاحف المهجورة. كانت الكاميرا من النوع الذي يتطلب وقوف الضحية نصف ساعة دون حركة حتى تثبت الصورة، وبها “فلاش” يشبه القنبلة الدخانية، يترك المكان غارقاً في ضباب أبيض وكأن حريقاً نشب في قاعة التحرير.

ارتدى عبد القادر “سترة المصورين” ذات الجيوب الكثيرة، ملأها بقطع الخبز والزيتون عوضاً عن العدسات والبطاريات، وخرج إلى شوارع وهران يبحث عن “السبق الصحفي”. وقف أمام مقر البلدية، يحاول تصوير تصريح بسيط، لكنه في كل مرة يضغط فيها على الزر، كان يحدث دويٌّ هائل يتبعه سحابة من الدخان الأسود، مما جعل رجال الأمن يتوسوسون منه ظانين أنه يحاول إطلاق قذيفة “هاون” أثرية، وليس التقاط صورة لخبر محلي.

وعندما سُئل عن خطته المهنية، أجاب بكل ثقة وهو ينفخ الغبار عن العدسة: “أنا هنا لأرصد تغير الخريطة السياسية للعالم! سأصور قمة الاتحاد الأوروبي بكاميرتي هذه، ليعرفوا أن الأصالة تغلب الحداثة”. كان طموحه أن يلتقط صورة لـ “بيدرو سانشيز” وهو يوقع قراراً تاريخياً، لكن المشكلة الوحيدة كانت أن كاميرته لا تقبل الصور الملونة، مما يعني أن كل زعماء العالم في تقاريره سيظهرون بشوارب كثيفة وملامح تعود لأواخر سقوط الخلافة العثمانية.

وهكذا، ظل عبد القادر يجوب الشوارع، يطارد الأخبار بآلته التي تزن عشرة كيلوغرامات، مقتنعاً تماماً أن غياب الشهادة الجامعية يعوضه “النيف” الوهراني، وأن العالم سينحني يوماً أمام صورته القادمة… بشرط أن يجد محلاً ما يزال يبيع “أفلام التحميض” التي انقرضت منذ عهد الداي حسين.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram