
كان صنيع المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشّاملة (INESG) في الاحتفاء بيوم العلم متميّزاً ومدركاً واعياً للتحولات الوطنية والعالميّة في تناول إشكالية ذات أبعاد مستقبلية وناقدة للتّراث، بموضوع نقدي واستشرافي عنوانه: “العِلم وإرادة الحضارة: من التّكديس المعرفي إلى صناعة النّهضة عند مالك بن نبي”، افتتحه المدير العام للمعهد السيّد عبدالعزيز مجاهد. ونسّقت اليوم الدّراسي مديرة الدراسات الأستاذة راضية قداح.
شارك في هذه الجلسة الدّسمة نخبة من الدّراسين، منهم من قضى عقوداً محاوِراً مالك بن نبي مقدّماً خلاصات أرائه وزبدة تفكيره للطلبة والجمهور، وأذكر ما أطلقت عليه في الجلسة أحد حَواري بن نبي وهو أستاذنا عمّار طالبي، والزميل عبدالقادر بوعرفة (جامعة وهران) الذي أشرف على عديد الرّسائل الجامعية حول فكر بن نبي منذ منتصف التسعينات، وكانت محاضرة الدّبلوماسي والسّفير السّابق المثقف الكاتب مراد عجابي حول مالك بن نبي ومفهومه للعالميّة وفهمه المبكّر للصّراع الدّولي وتعدّد الأقطاب.
وكان بن نبي له تنبّؤاته العلميّة، منها بالخصوص سقوط الاتحاد السوفياتي، وتحدّث عن الجيو-سياسية اليوم التي هي مختبر حقيقي لآرائه، كما تحدث عن جوانب علميّة في تفكير بن نبي الباحث والمنطقي عليش لعموري من المدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة، أما محاضرة بوعرفة فكانت مفصلة بخطاطات عن مفاهيم التكديس عند مالك بن نبي وكيف ننتقل إلى التفكير والابداع عبر اليد “العمل” والوجدان “التوتر” والعقل “الابتكار” منهياً مداهلته بقوله “نتجدّد أو نتبدّد”، داعياً إلى ضرورة علاقة الفصل والوصل مع فكر بن نبي، وانه عانى من “الأدلجة” ومحاولة تبنيّه عند طائفة معيّنة.
الباحث عبدالرزاق بلعقروز من جامعة سطيف دعا إلى “التّفكير مع بن نبي” وعلينا أن نفهم السياقات التي فكّر فيها، وأن ميزته لم يكدس أفكار الغير أو نقل المفاهيم بل أبدع في المفهوم لتحليل مجتمعاتنا، ومن هنا إذا أردنا بن نبي أن يستمرّ معنا ويكون آنيّاً أن نجتهد في تحويل تلك المفاهيم بما يخدم مجتمعاتنا وتحوّلاتها، وتدخل لخضر سباعي من جامعة مستغانم متحدّثاً عن “التعبئة الحضاريّة” عند مالك بن نبي والانتقال من “القابليّة الاستعماريّة” إلى “بناء الفعالية الاجتماعية”.
كما كانت تعقيبات كل من الأساتذة: عمار طالبي ومحمد عاطف وعبدالرحمن العريبي وأمينة تشيكو وممثل مجلس الأمة دريدي مبروك ومدير المرصد الوطني للتربية عبد القادر مزي وآمال موهوب (الجمعية الفلسفية الجزائرية) وإيمان موسى كاسي، وتدخلات بعض الطّلبة ثريّة لكونهم أهل اختصاص في فكر مالك بن نبي.
كانت النّدوة أكاديمية علميّة هادئة دون صَخب أو تأويلات تلْوي عُنق نصوص بن نبي. كانت المحاضرات والنّقاش العسل الذي تمنّى الفيلسوف نيتشة وبن نبي أن يستفيد منه الآخرون ويكون شفاءً لأمراض العالم وعاهات مجتمعاتنا ولا يبقى مُكدّساً عند النّحل في أجباحه.