ما قل ودل

من رحم معاناة غزة أنجزت بحثا راقيا حول الأدب الجزائري…الدكتورة ميّادة الصعيديّ تبدع في نقد قصيدة رقمية لسعاد بسناسي

شارك المقال

في ظل التحوّلات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، لم يعد الأدب بمنأى عن تأثيرات الثورة الرقمية، بل أصبح أحد أبرز مجالاتها تفاعلًا وتحوّلًا. ومن هنا برز ما يُعرف بـ“الأدب الرقمي” بوصفه امتدادًا حداثيًا للأشكال التعبيرية التقليدية، حيث تتلاقى اللغة مع التكنولوجيا لإنتاج نصوص جديدة تتجاوز حدود الورق إلى فضاءات تفاعلية متعددة الوسائط. وفي هذا الإطار، تندرج قصيدة “الهزيع الأخير” للشاعرة سعاد بسناسي، كنموذج دالّ على هذا التحوّل النوعي في الكتابة الشعرية العربية.

تُعبّر القصيدة عن همّ إنساني وجماعي يتجاوز الذات الفردية، حيث تنشغل الشاعرة برصد حالة التصدّع التي تعيشها المجتمعات العربية، من خلال لغة شعرية كثيفة، قائمة على الإيحاء والرمز والانزياح الدلالي. ويُعدّ العنوان “الهزيع الأخير” مدخلًا سيميائيًا مهمًا، إذ يحيل إلى لحظة زمنية حرجة من الليل، حيث تتكاثف الهواجس وتتضخم الأسئلة، بما يعكس حالة القلق والاضطراب التي تهيمن على النص.

على المستوى اللغوي، وظّفت بسناسي أدوات تعبيرية متنوّعة، من بينها هيمنة ضمير الجماعة، وكثرة الأفعال ذات الطابع السلبي أو المبني للمجهول، مثل: “بُذرت”، “تُسق”، “نحفر”، ما يعكس شعورًا عامًا بالعجز والتيه. كما لجأت إلى أسلوب الاستفهام بكثافة، ليس بهدف الحصول على إجابة، بل لفتح أفق التأويل أمام المتلقي، وتحفيزه على التفاعل مع القضايا المطروحة، من قبيل: “كيف ضلّت خطانا؟”، “هل هو الطمع أم شكر امتثال؟”.

وتتجلّى جمالية النص في بنيته التصويرية الغنية، حيث تتكئ الشاعرة على الاستعارة والتشخيص، فتعطي للجمادات روحًا ناطقة، كما في قولها: “تأوّه الورد”، “مرّت جنازير المحال”، لتقريب المعنى وتعميق التأثير. كما حضرت ظاهرة التضاد بشكل لافت، من خلال الجمع بين مفاهيم متناقضة مثل: “رماد الصبح”، “الصمت إيقاع”، وهو ما يعكس التوتر الداخلي للنص، ويُبرز المفارقة بين الواقع والمأمول.

أما من الناحية الصوتية، فقد لعبت الحروف دورًا دلاليًا مهمًا، حيث ساهم تكرار بعض الأصوات، كحرف اللام الممدود، في إضفاء طابع موسيقي حزين، يعكس حالة الانكسار والامتداد الزمني للألم. كما أن اختيار مفردات تنتهي بأصوات ممدودة (مثل: مآل، زوال، خيال) يعزز من الإحساس بالاستمرارية والثقل الشعوري.

غير أن ما يميز “الهزيع الأخير” حقًا هو بعدها الرقمي التفاعلي، إذ لم تكتفِ الشاعرة بنشر النص في صيغة ورقية ضمن ديوان “ظلال لا تشبهني”، بل أعادت إنتاجه بصيغة رقمية عبر مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي. وقد دمجت في هذه المقاطع بين الإلقاء الصوتي، والمشاهد البصرية، والمؤثرات السمعية، لتخلق تجربة حسية متكاملة تُحاكي السينما الشعرية.

جاءت المشاهد المصاحبة للنص متناسقة مع مضمونه، فالصحراء القاحلة رمز للذبول، والورود الذابلة دلالة على انكسار الأمل، والخرائط الممزقة تعبير عن التشتت الجغرافي والوجداني، فيما مثّلت الأرواح الصاعدة تساؤلًا وجوديًا حول المصير. كما لعبت الألوان دورًا رمزيًا، حيث حضرت درجات الأصفر والرمادي والأسود لتجسيد حالات الضعف والضبابية والانهيار.

وقد أسهم هذا التوظيف الذكي للوسائط في تعزيز تفاعل المتلقين، الذين لم يكتفوا بالمشاهدة، بل شاركوا بآرائهم وتعليقاتهم، مما أضفى على النص طابعًا حيًا ومتجددًا. وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص الأدب الرقمي، وهي كسر الحاجز بين المبدع والمتلقي، وتحويل هذا الأخير إلى شريك في إنتاج الدلالة.

كما أن اعتماد الشاعرة على الإيقاع البطيء، والصوت الخافت، والإضاءة المعتمة، يعكس وعيًا جماليًا بضرورة انسجام الشكل مع المضمون، حيث تتكامل العناصر التقنية لخدمة الفكرة المركزية للنص، وهي الإحساس بالانحدار التدريجي نحو النهاية.

في المحصلة، تمثل قصيدة “الهزيع الأخير” تجربة شعرية رقمية ناضجة، استطاعت من خلالها سعاد بسناسي أن توفّق بين عمق اللغة وجمالية الصورة، وبين التعبير الإنساني والتقنية الحديثة. وهي بذلك تفتح أفقًا جديدًا أمام الشعر العربي، وتؤكد أن المستقبل الأدبي لن يكون ورقيًا فقط، بل تفاعليًا، متعدّد الوسائط، ومفتوحًا على قراءات لا نهائية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram