لم تكن الرياضة يومًا حكرًا على طبقة دون أخرى، بل كانت على مرّ التاريخ المتنفّس الحقيقي لأبناء الفئات البسيطة، ومن رحم الفقر وُلدت أعظم المواهب التي صنعت أمجادًا عالمية. غير أنّ هذا المبدأ يبدو اليوم مهدّدًا في الجزائر، حيث بدأت ملامح “تسليع الرياضة” تفرض نفسها بشكل مقلق، محوّلة الملاعب والمسابح من فضاءات للتكوين والتنشئة إلى مشاريع ربحية مغلقة في وجه أبناء الطبقات الهشّة.
من فضاء شعبي إلى مشروع ربحي
في السابق، كانت الأندية الرياضية في الجزائر ملاذًا مفتوحًا لكل طفل يحلم بأن يصبح لاعبًا أو بطلاً، دون أن يشكّل المال عائقًا أمامه. اليوم، تغيّر المشهد بشكل لافت، إذ أصبح الانخراط في نادٍ رياضي يتطلّب دفع اشتراكات شهرية تثقل كاهل العائلات، قد تصل إلى 3000 أو حتى 7000 دينار، مقابل حصص تدريبية محدودة لا تتجاوز في بعض الأحيان حصتين أسبوعيًا.
رياضة السباحة مثال صارخ على هذا التحوّل، حيث أضحت شبه حكر على الفئات الميسورة، في ظل ارتفاع تكاليف الاشتراك وسوء ظروف التدريب، إذ يتم تكديس عشرات الأطفال في مساحات لا تستوعب سوى عدد محدود، في مشهد يفتقر إلى أبسط معايير السلامة والتأطير الرياضي السليم.
فوضى التسيير وغياب الرقابة
المفارقة الصادمة أن هذه الأندية لا تعمل في فراغ، بل تستفيد من إعانات مالية معتبرة تقدّمها الدولة عبر البلديات ومديريات الشباب والرياضة، وهي أموال يفترض أن تُسهم في دعم التكوين المجاني وتشجيع المواهب. غير أن الواقع يكشف عن خلل عميق في منظومة التسيير، حيث تحوّلت بعض النوادي الرياضية إلى ما يشبه “سجلات تجارية”، تُدار بعقلية الربح السريع، دون حسيب أو رقيب.
الأخطر من ذلك أن هذه المداخيل، التي تُجمع من اشتراكات الأطفال، لا تخضع في كثير من الحالات لأي رقابة مالية حقيقية، ولا تمر عبر قنوات تدقيق شفافة، ما يفتح الباب أمام تجاوزات خطيرة تمسّ بمصداقية العمل الرياضي، وتضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص.
ضياع المواهب…وخطر على مستقبل الرياضة
إن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط حرمان الأطفال من حقهم في ممارسة الرياضة، بل يهدّد أيضًا مستقبل الرياضة الجزائرية ككل. فحين يُقصى أبناء الطبقات البسيطة بسبب العوائق المالية، فإننا نخسر بالضرورة خزانًا بشريًا غنيًا بالمواهب، كان يمكن أن يصنع الفارق في المحافل الوطنية والدولية.
الرياضة ليست ترفًا، بل هي حق اجتماعي وتربوي، ووسيلة لبناء الإنسان قبل أن تكون وسيلة لصناعة الأبطال. ومن هذا المنطلق، فإن مسؤولية الجهات الوصية، وعلى رأسها مديريات الشباب والرياضة، تقتضي التدخل العاجل لضبط هذا الانفلات، وفرض رقابة صارمة على الأندية، وضمان شفافية التسيير، وربط الدعم المالي باحترام مبدأ مجانية أو رمزية التكوين.
إيمان خليف أنموذجا
تعتبر البطلة الأولمبية في رياضة الملاكمة إيمان خليف نموذجا حّيا لتلك الفتاة التي ولدت من رحم المعاناة, حيث اضطرت حسب شهادتها أن تشتري أدوات الدراسة بدل شراء معدات التدريب حين التحقت بالحلبة, ففي حالة إيمان فلولا أن القدر ساق إليها مدربها السيد محمد شعوة ما كانت تصل إلى ما وصلت إليه, لأنه ببساطة ذات المدرب لم ير في إيمان مشروع ربحي أو مصدر رزق, بل رأى فيها بطلة عالمية في المستقبل, حيث ساهمت رؤيته الثاقبة على رفع العلم الوطني في سماء باريس خلال الأولمبياد الماضي.
لذا فإن إنقاذ الرياضة الجزائرية يبدأ من استعادة روحها الأصلية: فضاء مفتوح للجميع، لا يُقصي الفقير ولا يُكافئ الجشع. فحين تُباع الرياضة، يُشترى الفشل.