ما قل ودل

الندوة الرابعة حول شهر التراث بوهران…أكاديمية الوهراني تناقش السرد وصون الموروث

شارك المقال

في إطار فعاليات “شهر التراث” التي تشرف على تنظيمها أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي، برئاسة البروفيسور سعاد بسناسي وتنسيق الدكتورة باغور يمينة عضو الأكاديمية احتضنت الندوة الرابعة لقاءً علميًا ثريًا جمع بين مقاربتين متكاملتين للتراث: مقاربة أدبية تستنطق حضوره في الرواية الجزائرية المعاصرة، وأخرى نقدية ترصد الإشكالات التي تعترض مسارات حمايته وتثمينه.

استُهلت الندوة بمداخلة للأستاذة الدكتورة فاطمة براهمي من جامعة سيدي بلعباس، التي تناولت موضوع “تجليات التراث في رواية الألفية الجديدة”، حيث سعت إلى تفكيك حضور الموروث الثقافي داخل النص الروائي المعاصر، باعتباره بنية رمزية ودلالية تتجاوز التوظيف التزييني نحو أفق إعادة إنتاج الهوية. وأبرزت المتدخلة كيف يستثمر الروائي الجزائري عناصر التراث المادي واللامادي—من حكايات شعبية وعادات وطقوس وأمثال—في بناء عوالم سردية تعكس تحولات المجتمع وتوتراته، مؤكدة أن الرواية الحديثة لم تعد تنظر إلى التراث بوصفه ماضياً ساكناً، بل باعتباره مورداً ديناميكياً لإعادة التفكير في الذات الجماعية.

كما توقفت عند جملة من النماذج الروائية التي تُظهر هذا التفاعل، مبيّنة أن استحضار التراث في سياق الألفية الجديدة يرتبط غالبًا بإشكاليات الهوية والذاكرة والقطيعة مع الماضي أو استعادته، وهو ما يجعل النص الروائي فضاءً تفاوضيًا بين التقليد والحداثة.

أما المداخلة الثانية، التي قدّمها الدكتور رضوان بن تومي من المركز التفسيري للباس التقليدي الجزائري بتلمسان، فجاءت تحت عنوان ” التراث الثقافي الجزائري ذاكرة حضارية ورصيد ثقافي مستدام”، حيث طرح قراءة نقدية لواقع التراث الوطني في ظل تحديات متعددة الأبعاد. وقد ركّز المتدخل على جملة من الإشكالات من أبرزها ضعف سياسات الحماية ونقص الوعي المجتمعي بأهمية التراث إضافة إلى تأثير العولمة وما تفرضه من أنماط ثقافية مهيمنة قد تهدد الخصوصيات المحلية.

وأشار أيضًا إلى معضلة هجرة الحرفيين وتراجع الحرف التقليدية باعتبارها أحد أخطر التحديات التي تمس التراث اللامادي، موضحًا أن غياب آليات فعالة لدعم الحرفيين وتثمين منتجاتهم يساهم في اندثار معارف متوارثة عبر الأجيال. كما شدد على ضرورة تبني مقاربة شمولية في إدارة التراث تجمع بين البعد الثقافي والاقتصادي وتعزز إشراك الفاعلين المحليين في عمليات الحماية والتثمين.

وقد فتحت الندوة نقاشًا ثريًا بين الحضور، حيث تداخلت الأسئلة حول سبل إدماج التراث في المشاريع التنموية، ودور الجامعة في إنتاج معرفة علمية تسهم في حمايته، إضافة إلى أهمية التربية الثقافية في ترسيخ الوعي بقيمة الموروث.

تُبرز هذه الندوة في مجملها، أن التراث ليس مجرد مخزون من الماضي بل هو رهان حيوي في بناء الحاضر واستشراف المستقبل وأن صونه لا ينفصل عن إعادة قراءته وتفعيله في مختلف الحقول، من الأدب إلى السياسات الثقافية

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram