ما قل ودل

الذين يَبحثُون عن “البُومَة”!!!!…الكسَل والتّضليل عند بعض الإعلاميين والخبراء والمحلّلين

شارك المقال

و نحن نحتفل باليوم العالمي للصحافة، تبادر إلى ذهني عاهتان إعلاميّتان: الأولى تقلّل من “الاجتهاد البشري” والثانية : “التّضليل الأفّاك” باستعمال الذكاء الاصطناعي ومولِّداته.
فاليوم عادت السّهولة والجاهز وعطَالة التّفكير والاستغناء عن الجهد التّقليدي في الحصول على الخبر ونقله وتحليله بتوفّر ذلك في تصفّح ّالذّكاء الاصطناعيّ وحتى صناعة الصُّورة والكاريكاتور وغيرها من الأشكال الجاهزة، والعاهة المرضية الثانية المدمّرة ممارسة “التّضليل”، بالأخبار الزائفة وتوجيه الرأي العام بمضامين تحيّزيّة وخطيرة على الوحدة والانسجام والاستقرار، إنّ أخطر المخاطر “الكذب”، وهي ممارسة مشينة تاريخية تتطوّر اليوم في وسائل الاعلام الاجتماعيّة.
إننا نفقد “بشريّتنا” حين نستسْلم كليّة في المعلومة والتّحليل والكتابة وتحرير النّصوص إلى “وادي عبقر الجديد”: الذكاء الاصطناعي، وهو شكل من أشكال الجنون أو سُكرٌ إذا اعتبرنا الجنون والسّكر فقدان العقل، وأبشع شكل اليوم لهذا الفقدان أن نتخلّى عن “جهْدنا البشري”، كما أنّ ننهار أخلاقيّاً ونضرّ بمجتمعاتنا وبقيمنا ومستقبلنا حين نمارس “الكَذِب” و”البُهتان” و”الزّيف” تجاه الآخرين ونجعلهم تحت سَطوتنا بكذِبنا وإفكِنا.
تزامن هذا الاحتفال عندي بقراءة كتاب مهمّ عنوانه: “الذّكاء الخارِق” لنيك بوستروم Nick Bostrom ويعتبر من أبرز المفكرين في الأخلاق والذّكاء الاصطناعي، يبدأ الكتاب بقصّة رمزيّة عن مصير البشرية ملخّصها: مجموعة من العصافير قرّرت بعد العمل الشّاق الطّويل، فجلست في توهّج المساء تزقزق مسترخية وفكّروا في حلّ يريحهم من التّعب ويحميهم من القطط: وهو أنهم يجلبون بومة تساعدهم في بناء الأعشاش وتجلب لهم الطعام، وبعد النّقاش شرعوا في البحث عن بومة أو بيضة بومة، فقط عصفورٌ واحدٌ سكرونكفينكل ذو العين الواحدة كان غير مقتنع وقال لهم: ألا ينبغي لنا أن نفكّر في فن البومة وترويضها وتربيتها قبل أن نجلبَها؟ وردّوا عليه: تربيتها وترويضها شيءٌ صعبٌ وقال آخر: دعنا نجلبُ البومة أولاً ثم نفكِّر بعد ذلك في تربيتها”.
الدلالة هنا واضحة “البومة” هي “الذّكاء الاصطناعي” الذي إذا سلمناها حياتنا كلها تكون المخاطِر، وهذا تهديد للعقل البشري وللأخلاق البشريّة، والطّيور الراغبة في الرّاحة مثل الإعلاميين والصحفيين والأساتذة والخبراء المحلّلين الذين يُراهنون على “البومة”.
قد لا تخدمهم كعصافير بل عليهم اعتماد جهْدهم البشري والاستعانة بالبومة بعد ترويضها وفهمها وتربيتها، أما “بيضتها” فتتنافس عليها الشركات الكبرى من أجل جني المال ولا يهمهم مستقبل البشريّة.
و في تراثنا قال علي بن أبي طالب –كرّم الله وجهه- “اعْقلوا “الرّبط –العُقال-” الخبر إذا سمعتموه “عقْلَ رعاية” لا “عقل رواية” فإن رُواة الخبر كُثْرٌ ورُعاته قليلٌ”، والحكمة تقول: “امخضُوا الرّأي مخض السّقاء، ينتجُ سديد الرّأي” فالرعاية “التدبّر” للخبر والمعلومة، ومخضها “تمحيصها” تكون “الزّبدة” و”الّلبن الطازج.
Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram