في زمن تختلط فيه المواقف بين النقد الموضوعي والتجريح المجاني، يبقى اسم هواري بومدين واحدًا من الأسماء التي تجاوزت حدود السياسة لتتحول إلى رمز راسخ في الذاكرة الوطنية الجزائرية. فالرجل الذي قاد الجزائر في واحدة من أكثر مراحلها حساسية، لم يكن مجرد رئيس دولة، بل مشروع وطن كامل آمن بالسيادة والكرامة والعدالة الاجتماعية.
اليوم، يحاول البعض النيل من صورته أو اختزال تاريخه في قراءات سطحية لا ترى إلا ما تريد رؤيته، فرغم أن تصرفهم الغرض منه جلب الانتباه علما بأن حضورهم أو غيابهم يلغي وجودهم, غير أن هؤلاء النكرة و هذه الكلمة بحد ذاتها أشرف منهم, فلتعلم هاته الغوغاء و من هم على شاكلتهم و طينتهم النتنة, بأن التاريخ لا يُكتب بردود الأفعال ولا بمنطق الحملات العابرة، بل يُقاس بحجم الأثر الذي يتركه الرجال في أوطانهم. ومن هنا، يبقى بومدين حاضرًا بقوة في وجدان الجزائريين، ليس فقط بما أنجزه سياسيًا، بل بما مثله أخلاقيًا وإنسانيًا.
لقد عاش الرجل ببساطة نادرة في زمن كانت فيه السلطة بابًا للامتيازات والثروات. ورغم موقعه على رأس الدولة، لم يُعرف عنه الترف ولا الجري وراء الماديات، حتى إن ما تركه وراءه كان متواضعًا و اضطرت الدولة الجزائرية أن تمنح سكنا لائقا لزوجته تكريما لعبق رائحة ذاكرة الزعماء في بلد الزعماء. تلك الصورة جعلت من الهواري بومدين نموذجًا للزعيم الذي حمل همّ الوطن أكثر مما حمل همّ نفسه.
ولعل أحد أكثر المواقف التي خلدت اسم بومدين عالميًا، دفاعه المستميت عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. ففي أروقة الأمم المتحدة، رفع صوته عاليًا من أجل منح الشعب الفلسطيني حقه في تمثيل نفسه، وساهم في تمكين الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات من إيصال صوت شعبه إلى العالم، في وقت كانت فيه قوى كبرى تحاول عزل القضية وإسكات ممثليها. لم يكن ذلك مجرد موقف دبلوماسي، بل تعبيرًا عن عقيدة سياسية آمنت بأن الجزائر التي تحررت بدماء الشهداء لا يمكنها إلا أن تكون إلى جانب الشعوب المكافحة من أجل حريتها.
ورغم اختلاف القراءات حول بعض خياراته السياسية والاقتصادية، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن بومدين كان ابن مرحلة معقدة، اتخذ قراراته وفق ما كان يراه حماية للدولة الفتية وبناءً لمؤسساتها. فالرجال الكبار لا يُقاسون بمعيار العصمة، بل بحجم إخلاصهم لقضايا أوطانهم وقدرتهم على صناعة التحولات.
لقد اختار محمد بوخروبة اسم “هواري بومدين” تيمّنًا و تبركا بالوّليين الصالحين سيدي الهواري و سيدي بومدين شعيب، وكأن الرجل أراد منذ البداية أن يربط اسمه بروح الأرض والذاكرة الشعبية و التجلي الصوفي على طريقة الجنيد السالك. فدخل قلوب الجزائريين ببساطته وهيبته، وبقي بالنسبة لكثيرين رمزًا للدولة القوية والسيادة الوطنية والكلمة الحرة.
إن الطعن في الرموز الوطنية لا يصنع تاريخًا، كما أن حملات التشويه العابرة لا تستطيع محو أثر رجال صنعتهم التضحيات والمواقف. فبومدين، سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا، يبقى أحد أبرز الشخصيات التي طبعت تاريخ الجزائر الحديثة، وسيظل اسمه حاضرًا كلما ذُكرت الكرامة الوطنية والاستقلال في القرار والسيادة في الموقف.
وكما تقول الحكمة الخالدة:
“إذا أتتك مذمتي من ناقصٍ…فهي الشهادة لي بأني كامل”…نقطة إلى السطر.