ما قل ودل

من جبال البشرات إلى أسوار مدريد…يوم أعادت الجزائر إحياء الأندلس من جديد

صورة خيالية لإعادة فتح مدن الأندلس من قبل الجزائريين و العثمانيين و الموريسكيين

شارك المقال

تظل أحداث عام 1568 في جبال البشرات الأندلسية واحدة من أكثر المنعطفات التاريخية إثارة للشجن، ففي ذلك الوقت قاد البطل محمد بن أمية، المعروف في السجلات الإسبانية باسم فرناندو دي فالور، ثورة عارمة كادت أن تقلب موازين القوى في شبه الجزيرة الإيبيرية وتنهي عقوداً من القهر الذي عاناه الموريسكيون.

وفي الواقع التاريخي المرير، خمدت هذه الثورة وتلاشى لهيبها بسبب الدسائس والوشايات الداخلية التي أدت إلى اغتيال ابن أمية، مما تسبب في انكسار المسلمين وضياع آخر آمالهم في البقاء بالأندلس.

ولكن، لو نظرنا إلى التاريخ من نافذة الاحتمالات والسيناريوهات البديلة، وتخيلنا أن تلك الوشاية الدنيئة قد أُحبطت، لكان العالم الحديث اليوم قد اتخذ مساراً جيوسياسياً مغايراً تماماً لما نعرفه.

تبدأ نقطة التحول في هذا السيناريو البديل من وعي القيادة الموريسكية ويقظة جهاز استخباراتها الذي كشف المؤامرة قبل وقوعها، وتزامن ذلك مع وصول الاستغاثات في وقتها الحاسم إلى حاكم الجزائر علج علي باشا وإلى البلاط العثماني في إسطنبول.

في هذه اللحظة الفارقة، لم يقتصر الدعم الجزائري على إرسال بضع مئات من المتطوعين، بل تحرك الأسطول البحري الجزائري الضارب بكامل قوته عابراً المتوسط، ليفرض حصاراً بحرياً خانقاً على السواحل الإسبانية ويقطع خطوط الإمداد عن جيوش البلاط الملكية في عهد إيزابيلا وفيرديناند.

هذا التدفق العسكري الضخم، المحمل بالإنكشارية والمدفعية الحديثة والعتاد الجزائري، نزل على شواطئ ملقة وألمرية ليحول جيش ثوار البشرات من موقف الدفاع والتخفي في الجبال إلى الهجوم الكاسح الذي تهاوت أمامه الحصون والقلاع الإسبانية واحدة تلو الأخرى.

ومع هذا الاندفاع العسكري المظفر، لم تقف طموحات الثوار عند حدود جبال الجنوب، بل تحولت الثورة إلى زحف وطني شامل لاسترداد الأرض السليبة، فكانت البداية بإعادة تحرير مدينة غرناطة, حيث رُفع الأذان مجدداً في قصر الحمراء بعد عقود من الصمت والاضطهاد.

ولم يكد الغبار يستقر حتى تلاها سقوط مدينة قرطبة العريقة ليعود جامعها الكبير مركزاً روحياً وفكرياً للأمة الناشئة، ثم واصلت الجيوش الإسلامية مدعومة بالخيالة والمدفعية الجزائرية زحفها نحو الشمال لتخترق قلب إسبانيا وتسيطر على مدريد، العاصمة الناشئة آنذاك، مما أجبر البلاط الملكي على الفرار نحو الحدود الفرنسية.

ولم يتوقف المد حتى سقطت برشلونة في الشرق لتأمين الساحل المتوسطي كاملاً وتحويل البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة إسلامية مشتركة بين الجزائريين و العثمانيين وأهل الأندلس.

إن نجاح ثورة البشرات وقيام دولة الأندلس الإسلامية الحديثة كان سيعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للعالم بأسره، إذ إن قيام هذه الدولة القوية في جنوب أوروبا كان سيخلق حلفاً استراتيجياً واقتصادياً وعسكرياً لا يقهر في غرب البحر الأبيض المتوسط يجمع بين الأندلس و دول شمال إفريقيا.

هذا التحالف الإقليمي المتين كان سيشكل درعاً منيعاً يحمي حدود المغرب الكبير بأكمله من الأطماع الأوروبية المستقبيلة، وحتماً لم تكن فرنسا تجرؤ على غزو الجزائر عام 1830، ولم تكن إيطاليا لتقترب من ليبيا، ولظلت كامل دول شمال إفريقيا عمقاً استراتيجياً محصناً وعصياً على أي اختراق أو استعمار حديث بفضل وجود دولة أندلسية متطورة تكنولوجياً وعسكرياً على الضفة المقابلة.

علاوة على ذلك، فإن هذا التحول التاريخي كان سيغير وجه الاقتصاد العالمي وصياغة العالم الجديد، فإسبانيا التي موّلت كشوفاتها الجغرافية وحملاتها الاستعمارية في أمريكا اللاتينية عبر نهب خيرات الأندلس وطرد أهلها، كانت ستنشغل بمعركة بقاء داخلي تفقدها السيطرة على تلك البحار.

ولتحولت تدفقات الذهب والفضة من العالم الجديد نحو خزائن غرناطة والجزائر وإسطنبول. هذا التراكم المالي والمعرفي كان كفيلاً بإطلاق نهضة علمية وصناعية مبكرة تجمع بين العلوم الأندلسية العريقة والابتكار العسكري والبحري الجزائري، مما يمنع احتكار أوروبا للثورة الصناعية ويجعل الأمة الإسلامية شريكاً أساسياً في قيادة الحداثة، ليبقى حلم الأندلس الذي ضاع في واقعنا بسبب خيانة، حقيقةً بديلة كانت لتجعل الشرق والغرب يعيشان توازناً حضارياً مختلفاً تماماً عما نعيشه اليوم.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram