ما قل ودل

منصات التواصل الاجتماعي تتحول لسلاح ردع…المواطنة الرقمية في خدمة الأمن

شارك المقال

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات افتراضية للتسلية وتبادل الصور، بل تحولت في الآونة الأخيرة بالجزائر إلى أداة رقابة مجتمعية فاعلة، وسلاح ردع حقيقي في يد المواطنين للمساهمة في استتباب الأمن ومحاربة الجريمة. هذه الظاهرة، التي يطلق عليها خبراء علم الاجتماع “الأمن التشاركي” أو “المواطنة الرقمية”، أثبتت نجاعتها بشكل مذهل في فك خيوط الكثير من القضايا الجنائية والتجاوزات المرورية في وقت قياسي.

واقعة وهران أنموذجا

تجلت أقوى صور هذا التعاون الأمني الرقمي مؤخراً في ولاية وهران؛ حيث اهتزت منصات التواصل الاجتماعي على وقع فيديو مسرب يوثق اعتداءً شنيعاً وبشعاً نفذه ثلاثة شبان ضد شاب آخر في وضع غير متكافئ. وأظهر الفيديو تعرض الضحية للضرب المبرح والتنكيل، فضلاً عن تجريده من بعض أغراضه الشخصية تحت طائلة التهديد.

الفيديو الذي انتشر كالنار في الهشيم وصنع رأياً عاماً مستنكراً، لم يمر مرور الكرام على المصالح الأمنية. فبفضل “التبليغ الرقمي” المكثف من طرف المواطنين الذين تداولوا المقطع وأرسلوه إلى الصفحات الرسمية للشرطة، تحركت فرقة البحث والتدخل فوراً. وفي وقت قياسي لا يتعدى بضع ساعات، تم تحديد هوية الجناة وإلقاء القبض عليهم وتقديمهم أمام العدالة، مما خلف ارتياحاً كبيراً لدى الشارع الوهراني والجزائري عامة.

 من الشكوى التقليدية إلى “المبلغ الرقمي”

تأخذ هذه الظاهرة الإيجابية أبعاداً متعددة تعكس وعي المواطن بضرورة حماية محيطه، ومن أبرز تجلياتها:

  • ردع التجاوزات الخطيرة في الطرقات: لم يعد الأمر مقتصراً على الجرائم الجنائية؛ بل أصبحت الفيديوهات والصور التي يلتقطها المواطنون للمناورات الخطيرة التي يقوم بها بعض سائقي الحافلات أو الشاحنات وسيارات الأجرة، بمثابة بلاغات رسمية تتحرك على إثرها مصالح أمن الطرقات لسحب رخص السياقة وحجز المركبات.

  • محاربة الاعتداءات في الفضاء العام: توثيق كاميرات الهواتف للاعتداءات أو محاولات السرقة في الأحياء الشعبية والشواطئ ساهم في تقليص مساحات المناورة لدى العصابات الاستعراضية التي كانت تتخفى عن أعين الدوريات الأمنية.

  • تعزيز الوعي المروري والمجتمعي: إدراك المنحرفين والمخالفين بأن كل مواطن في الشارع هو “مشروع مُبلّغ” يمتلك كاميرا، خلق حالة من الردع النفسي المسبق التي تحد من ارتكاب السلوكيات غير اللائقة.

المواطن هو رجل الأمن الأول

ويعبر البعض عن أن هذه الظاهرة الإيجابية أصبحن بمثابة مسؤولية على عاتق كل مواطن و ليست مسؤولية سلك الشرطة والدرك الوطني وحدهما، بل هي منظومة متكاملة يلعب فيها المواطن دور “رجل الأمن الأول”. إن سرعة تدفق المعلومات عبر شبكات التواصل تتيح للجهات الأمنية استباق الجريمة أو توقيف فاعليها قبل اختفائهم، مما يرفع من كفاءة التدخلات الميدانية ويقلل من الجهد والوقت المستغرق في التحريات التقليدية.

لذا فإن تحول الهواتف الذكية إلى منصات للتبليغ الفوري والمساهمة في بسط النظام يعتبر قفزة نوعية في سلوك المواطن الجزائري، تعكس تمسكه بقيم القانون ورفضه لمظاهر “البلطجة” والاعتداءات.

و تبقى واقعة وهران والتجاوزات المرورية المردوعة دليلاً قاطعاً على أن التلاحم بين التكنولوجيا، ووعي المواطن، وسرعة استجابة جهاز الشرطة، هو الحصن المنيع الذي يحمي أمن واستقرار المجتمع الجزائري.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram