حول المغاربة باعتداءاتهم على الوفد الجزائري المنبر الثقافي الدولي في أروقة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، من فضاء للحوار الحضاري إلى ساحة للمواجهة وإثبات الوجود، وهو تماماً ما تجسد حيث تعرّض الوفد والموروث الجزائري لمحاولات استفزاز وتعدٍّ واضحة من قِبل أطراف مغربية، في مسعى بائس لنسب التراث الجزائري الأصيل لغير أهله.
إن هذه الواقعة المشهودة لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل تعكس عقدة نقص تاريخية ومحاولات ممنهجة للاستحواذ على رموز حضارية لم تكن يوماً ملكاً لمن يحاولون سرقتها، متناسين أن حقائق التاريخ والآثار لا يمكن تزويرها بصرخات العجز أو الهتافات الموجهة، فرحم الله عبداً عرف قدر نفسه، وسيبقى الجزائري جزائرياً شامخا سامقا والمغربي مغربياً مهما تعددت صفاته، وتظل الأسود أسوداً مهما كثرت حولها الضباع.
وحين نقوم باستنطاق التاريخ وفتح دفاتره القديمة، نجد أن كل تفصيلة في هذا التراث تشهد بأصالتها الجزائرية الخالصة. فالقفطان الجزائري، بكل هيبته وفخامته، تطور عبر العصور مستوحىً من عمق الثقافة المحلية والتلاقح الحضاري مع الإرث العثماني، ليعكس هوية دولة ضاربة في التاريخ. وكذلك الأمر بالنسبة لفن “الزليج” الذي تزيّن به الحواضر الجزائرية منذ عهد الدولة الزيانية وعاصمتها تلمسان، حيث تفنن الحرفيون الجزائريون في صياغة هذه اللوحات الخزفية الملونة قبل قرون من ظهور الكيانات الحديثة.
إن هذا العمق الفني لا يمكن أن يُمحى بقرار أو شكوى استعراضية، لأن الجدران والمعالم التاريخية في الجزائر تنطق بعروبتها وأمازيغيتها وأصالتها قبل أن تولد الأفكار التوسعية التي تقتات على مجهودات الآخرين.
ولا يتوقف الأمر عند حدود اللباس والعمارة، بل يمتد إلى الثقافة الغذائية والموسيقية التي أصبحت محط أطماع واضحة؛ فالكسكسي، هذه الأكلة التي تجمع شمال إفريقيا، أثبتت الحفريات والأحاجير الأثرية الرومانية القديمة في المنطقـة، أن أصول نشأتها وجذورها الأولى انطلقت من المنطقة الوسطى لشمال إفريقيا، وهي الرقعة الجغرافية التي تشغلها الجزائر حالياً، مما يجعلها المهد الحقيقي لهذا الموروث العالمي.
وحتى فن “الراي” الذي تسيد مسارح الموسيقى العالمية وحمل بصمة التمرد والأصالة من عمق الغرب الجزائري، لم يسلم من محاولات السطو والنسب الزائف، وكأن العالم لا يدرك أن هذا الفن ولد وترعرع في سيدي بلعباس ووهران وعين تموشنت، وصُدّر إلى البشرية بلهجة وثقافة جزائرية خالصة لا تقبل القسمة ولا التزوير.
إن الإدانة الواسعة التي تلت هذه السلوكيات غير المسؤولة في المحافل الدولية تؤكد أن العيب ليس فيمن لا تقاليد له، بل العيب الحقيقي فيمن يصر على سرقة ما لا يملك ونسب إنجازات وتاريخ أمة عظيمة لنفسه.
وتأتي هذه التحركات الرسمية للجزائر لتوثيق وإيداع ملفاتها التراثية في “اليونسكو” لحماية هذا الإرث من الاندثار أو التشويه، بمثابة الرد الحاسم والصارم الذي يضع النقاط على الحروف.
و ستبقى الجزائر حامية لتراثها، واثقة من عمقها التاريخي والجغرافي، وسيذكر التاريخ دائماً أن محاولات طمس الهوية الجزائرية باءت بالفشل قديماً في عهد الاستعمار، ولن تنجح اليوم أمام وعي وبسالة الجزائريين الذين يقفون بالمرصاد لحماية إرث الأجداد.