في تحول استراتيجي لافت، بدأت الجزائر تفرض نفسها تدريجياً كواحدة من أبرز القوى الصاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية داخل القارة الإفريقية، وسط إشادات دولية متزايدة بقدراتها العلمية واستراتيجيتها الرقمية الطموحة.
وفي هذا السياق، أبرز معهد نيو لاينز للاستراتيجية والسياسات في تقرير حديث أن الجزائر مرشحة لتصبح “الفاعل التكنولوجي الأكثر تأثيراً” في منطقة المغرب العربي والساحل خلال السنوات المقبلة، بفضل مزيج من الاستقلالية الجيوسياسية والاستثمار المتسارع في التعليم والتكنولوجيا والأمن السيبراني.
ويرى التقرير أن الجزائر لم تعد تُعرف فقط كقوة طاقوية تقليدية تعتمد على المحروقات، بل بدأت تتحول إلى قطب إقليمي صاعد في الذكاء الاصطناعي، عبر تبني استراتيجية متعددة المحاور تشمل تطوير البحث العلمي، تحديث البنية الرقمية، دعم المؤسسات الناشئة، وتوسيع التكوين الجامعي في المجالات التكنولوجية الحديثة.
ومن أبرز المؤشرات التي استند إليها التقرير، امتلاك الجزائر واحدة من أقوى القواعد التعليمية في إفريقيا في مجال علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي، حيث يدرس أكثر من 57 ألف طالب جزائري تخصصات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي عبر عشرات برامج الماستر المنتشرة في الجامعات الوطنية.
كما أشار التقرير إلى أن الجزائر أصبحت ضمن أفضل الدول الإفريقية في مجال النشر العلمي، مع وجود باحثين جزائريين مصنفين ضمن أفضل 2 بالمئة عالمياً، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تكوين نصف مليون مختص في تكنولوجيا الإعلام والاتصال بحلول سنة 2030.
ويبدو أن الرهان الجزائري لا يقتصر على الجانب الأكاديمي فقط، بل يمتد إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاعات استراتيجية مثل الفلاحة الذكية، الصحة، الطاقة، والخدمات الرقمية، بما يسمح برفع الإنتاجية وتقليص التبعية للمحروقات وتنويع الصادرات الوطنية.
كما توقع التقرير ارتفاع قيمة سوق الذكاء الاصطناعي في الجزائر بشكل كبير خلال السنوات القادمة، في مؤشر على تسارع وتيرة التحول الرقمي داخل البلاد، خاصة مع إطلاق مئات المشاريع المتعلقة بالرقمنة والابتكار التكنولوجي.
وفي جانب البنية التحتية والاستثمار، سجل التقرير دخول مؤسسات وطنية بقوة إلى مجال تمويل المؤسسات الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والروبوتيك، وهو ما يعكس توجهاً رسمياً نحو بناء منظومة رقمية متكاملة قادرة على خلق اقتصاد معرفي حديث.
ولم يغفل التقرير العامل الجيوسياسي، حيث أكد أن الموقع الاستراتيجي للجزائر بين أوروبا وإفريقيا يمنحها أفضلية كبيرة لتكون مركزاً إقليمياً للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع توسع شراكاتها الدولية مع قوى كبرى مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا.
وفي مؤشر آخر على التحولات العميقة داخل الجامعة الجزائرية، تحدث التقرير عن تنامي الاعتماد على اللغة الإنجليزية في التعليم العالي، معتبراً ذلك جزءاً من “دبلوماسية سيادية هادئة” تهدف إلى تعزيز الانفتاح الأكاديمي والتكنولوجي على العالم، خاصة نحو الجامعات الأمريكية ومراكز البحث الدولية.
ويرى متابعون أن هذه المؤشرات تعكس بداية مرحلة جديدة تسعى فيها الجزائر إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد أساساً على الثروات الطبيعية إلى اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا، في ظل سباق عالمي متسارع حول الذكاء الاصطناعي وتحولات الثورة الرقمية.
وبين الطموح السياسي، الإمكانات البشرية، والاستثمارات المتزايدة، تبدو الجزائر اليوم أمام فرصة تاريخية لصناعة مكانة جديدة لها داخل المشهد التكنولوجي الإفريقي والمتوسطي، إذا ما نجحت في تحويل هذه الرؤية إلى إنجازات ميدانية مستدامة.