ما قل ودل

المغرب كما لم يُروَ من قبل…كتاب فرنسي يكشف نظام المخزن

شارك المقال

أعاد كتاب فرنسي جديد بعنوان “رواية الملك”, “Le Roman d’un Roi” فتح النقاش حول طبيعة السلطة في المغرب وحدود وهم الإصلاحات التي رافقت عهد الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش سنة 1999. فالكتاب، الذي جاء في شكل تحقيق سياسي معمق، لا يكتفي بسرد سيرة ملك أو استعراض محطات حكمه، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك بنية النظام المغربي وعلاقات القوة التي تتحكم في صناعة القرار داخل المملكة.

ويطرح مؤلف الكتاب سؤالًا ظل حاضرًا في الأوساط السياسية والإعلامية منذ أكثر من عقدين: هل مثّل وصول محمد السادس إلى الحكم بداية مرحلة إصلاحية حقيقية تقطع مع إرث الماضي، أم أن الأمر اقتصر على تحديث صورة الدولة مع استمرار مراكز النفوذ التقليدية في التحكم بمفاصل السلطة؟

يرصد التحقيق السنوات الأولى من حكم الملك، حين استقبلت قطاعات واسعة من المغاربة والعواصم الغربية عهده بكثير من التفاؤل، خاصة مع إطلاق مشاريع تنموية وإجراءات ترقيعية وهمية وُصفت آنذاك بالإصلاحية. غير أن الكتاب يرى أن هذه الصورة النمطية اصطدمت تدريجيًا بواقع أكثر تعقيدًا، حيث ظل نظام المخزن حاضرًا باعتباره شبكة نفوذ تتجاوز المؤسسات الرسمية وتمتلك قدرة كبيرة على توجيه القرار السياسي والاقتصادي.

ويخصص المؤلف مساحة واسعة للحديث عن العلاقة بين السلطة والثروة، معتبرًا أن الاقتصاد المغربي ظل خاضعًا لتشابكات مصالح بين دوائر النفوذ الكبرى، وهو ما جعل العديد من القطاعات الاستراتيجية مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بمراكز القرار. كما يتناول الكتاب الدور الذي تلعبه المؤسسة الدينية في تعزيز الشرعية السياسية للنظام، من خلال سياسة تضليل حول المكانة الخاصة التي يتمتع بها الملك باعتباره أمير مؤمنيهم.

ويتوقف التحقيق كذلك عند محطة سنة 2011 التي شهدت خروج حركة 20 فبراير في سياق موجة الاحتجاجات العربية، حيث اعتُبر الدستور الجديد آنذاك استجابة لمطالب الشارع لكن بصيغة تحايلية في غياب فعلي للملك الذي أضحى بمثابة صورة و فقط, في حين باتت تحكم دوائر ظلامية مغلقة المغرب باسمه.

غير أن الكتاب يتساءل عن مدى عمق تلك الإصلاحات الترقيعية، مشيرًا إلى أن جوهر السلطة ظل متمركزًا داخل الدائرة التقليدية نفسها التي تدار تحت الظل برعاية صهيونية, و ذلك رغم التغييرات الدستورية والمؤسساتية المزعومة.

وفي الجانب الدبلوماسي، يبرز ملف الصحراء الغربية كأحد أهم المحاور التي شكّلت السياسة الخارجية المغربية خلال العقود الأخيرة، حيث يعتبره المؤلف قضية مركزية في بناء التحالفات الدولية وصياغة التوجهات الاستراتيجية للمملكة و بأن دبلوماسية المغرب كلها تدار بضبابية من أجل تزكية الاحتلال غير الشرعي للرقعة الجغرافية الصحراوية. و لأجل ذلك يناقش مؤلف الكتاب طبيعة العلاقات التي تربط الرباط بكل من فرنسا والولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، ودور هذه العلاقات في تعزيز موقع المغرب على الساحة الدولية.

ويخلص الكتاب إلى أن فهم المغرب المعاصر لا يمكن أن يتم من خلال متابعة نشاط المؤسسات الرسمية وحدها، بل يتطلب فهم آليات عمل المخزن وشبكات النفوذ الاقتصادية والسياسية التي تؤثر في صناعة القرار. ومن هنا تبرز أهمية هذا العمل الذي يثير أسئلة عميقة حول طبيعة الحكم ومستقبل الإصلاح السياسي وحدود التغيير داخل واحدة من أقدم الملكيات في العالم العربي.

وبعيدًا عن الجدل الذي أثاره الكتاب لدى القرّاء، فإنه يسّلط الضوء أيضا على إشكالية جوهرية بارزة في طريقة حكم نظام المخزن، وهي العلاقة بين الإصلاح المعلن وبنية السلطة الفعلية، و تغابي الشعب المغربي من خلال وعود واهية لأجل تحقيق التحول الديمقراطي الذي يصطدم دوما بتركيبات تاريخية متجذرة في مفاصل المملكة التي أكل الدهر عليها و شرب.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram