ما قل ودل

عن عمر ناهز 94 سنة…وهران تودّع المجاهد والمؤرخ والرياضي محمد بن عبورة

شارك المقال

فقدت ولاية وهران، ومعها الأسرة الثورية والرياضية والثقافية الجزائرية، أحد رجالاتها البارزين برحيل المجاهد والإطار السابق بحزب جبهة التحرير الوطني ونائب رئيس المجلس الشعبي الولائي الأسبق، المرحوم الحاج محمد بن عبورة، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 94 سنة، بعد مسيرة حافلة بالنضال والعطاء وخدمة الوطن.

ويُعد الفقيد من الشخصيات الوطنية التي جمعت بين العمل الثوري والكفاءة الإدارية والنشاط الرياضي والإسهام الثقافي، حيث ترك بصمات واضحة في مختلف الميادين التي شغلها طوال عقود من الزمن.

وُلد المرحوم محمد بن عبورة يوم 8 سبتمبر 1932 بمدينة وهران، وتلقى تعليمه الابتدائي الذي تُوج بالحصول على الشهادة الابتدائية سنة 1946. كما انخرط منذ سن مبكرة في صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية تحت إشراف الشهيد حمو بوتليليس، وهو ما ساهم في تشكيل وعيه الوطني وصقل شخصيته النضالية.

ولم يقتصر نشاطه على الجانب الوطني فحسب، بل برز كذلك في المجال الرياضي، حيث تحصل على إجازة في السباحة سنة 1947 وشارك في العديد من المنافسات والبطولات محلياً ودولياً، محققاً نتائج مشرّفة جعلته من أبرز الرياضيين في تلك الفترة.

ومع اشتداد لهيب الثورة التحريرية، التحق الفقيد بصفوف الثورة سنة 1956 ضمن الشبكات السرية للمنظمة المستقلة بالجزائر، مستفيداً من وجوده داخل جهاز الشرطة الفرنسية لخدمة القضية الوطنية. وقد كُلّف بمهام حساسة داخل شبكة عبد الوهاب في فرعها السياسي والإداري بمدينة وهران.

وفي خضم المواجهة مع الاستعمار الفرنسي، ألقي عليه القبض يوم 23 جانفي 1957 من طرف الشرطة القضائية الفرنسية، حيث تعرض لأبشع أنواع التعذيب قبل أن يصدر في حقه حكم بالسجن لمدة خمس سنوات نافذة. ونُقل إلى سجن الشلف ليقضي سنوات من المعاناة والثبات على الموقف الوطني، قبل أن يستعيد حريته يوم 23 جويلية 1961.

وبمجرد خروجه من السجن، عاد مباشرة إلى النشاط الثوري والتحق مجدداً بشبكة عبد الحميد في قطاع الدرب خلال شهر أوت 1961، وشارك في العديد من العمليات الفدائية، خاصة خلال المرحلة الدامية التي شهدت اعتداءات المنظمة الإرهابية المسلحة السرية المعروفة باسم “OAS” التي استهدفت الجزائريين قبيل الاستقلال.

وبعد استرجاع السيادة الوطنية سنة 1962، واصل المرحوم خدمة الجزائر من مواقع أخرى، حيث شارك في أولى البطولات الوطنية للسباحة، قبل أن يلتحق بقطاع الشباب والرياضة سنة 1964، ليتدرج في مناصب المسؤولية ويُعيَّن مديراً للشباب والرياضة في كل من مستغانم ووهران إلى غاية إحالته على التقاعد سنة 1986.

كما كان للفقيد حضور بارز في الحياة السياسية المحلية، حيث انتُخب عضواً بالمجلس الشعبي الولائي لوهران خلال العهدة الأولى بين سنتي 1968 و1972 تحت رئاسة المرحوم المجاهد الدكتور بلعباس بودراع، ثم عاد إلى المجلس بين سنتي 2007 و2012 كنائب للرئيس، مساهماً بخبرته وتجربته في خدمة التنمية المحلية وقضايا المواطنين.

وفي المجال الرياضي، شغل أيضاً منصب رئيس الفدرالية الجزائرية للسباحة بالنيابة، مواصلاً دعمه للحركة الرياضية الوطنية التي ظل مرتبطاً بها منذ شبابه.

ولم يتوقف عطاؤه عند حدود السياسة والرياضة، بل امتد إلى مجال التوثيق والكتابة التاريخية، حيث ألّف أحد عشر كتاباً تناولت تاريخ مدينة وهران ومذكراته خلال الثورة التحريرية، لتبقى أعماله مرجعاً مهماً للأجيال الجديدة في معرفة تاريخ المنطقة وتضحيات أبنائها.

برحيل المجاهد محمد بن عبورة، تفقد الجزائر شاهداً من شهود الثورة التحريرية ورجلاً جمع بين الوطنية الصادقة والكفاءة المهنية والالتزام بخدمة الوطن. وستبقى سيرته ومسيرته مصدر إلهام لكل من يؤمن بقيم التضحية والإخلاص والوفاء للجزائر.

و بهذه المناسبة الأليمة يعزي طاقم جريدة المقال و على رأسهم الرئيس المدير العام لكحل محمد بوجلال أفراد عائلة المرحوم و إبنيه بومدين و عبد الحميد و كافة أفراد العائلة راجين من المولى عز و جل أن يدخله جنات النعيم مع الشهداء و الأنبياء و الصالحين…إنا لله وإنا إليه راجعون…لله ما أعطى و لله ما أخذ.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram