تزخر الذاكرة الوطنية الجزائرية بمواقف وقصص تعكس عمق الوعي السياسي والوطني لدى مختلف فئات المجتمع، حتى في أحلك فترات الاستعمار. ومن بين هذه الشهادات اللافتة ما رواه المؤرخ الراحل أحمد توفيق المدني في كتابه “قصة كفاح”، حيث استحضر حادثة وقعت بالجزائر العاصمة سنة 1927، تكشف جانبا من طبيعة العلاقة التي كانت تربط الجزائريين باليهود خلال الحقبة الاستعمارية.
ويذكر المدني أنه بعد عودته من تونس التقى بأحد رجالات الحركة الوطنية والتجارة بالعاصمة، الحاج الصادق الزاوي، الذي كان يتابع باهتمام ما يجري في المشرق العربي من تطورات مرتبطة بالمشروع الصهيوني الناشئ آنذاك. وخلال نقاش دار بين الرجلين حول نظرة الجزائريين لليهود، أكد الزاوي أن الشعب الجزائري كان يتعامل معهم بحكم الواقع الذي فرضه الاستعمار الفرنسي، لكنه لم يكن ينظر إليهم باعتبارهم جزءا من نسيجه الوطني أو الثقافي.
ولإقناع محاوره بوجهة نظره، استدعى الزاوي طفلا صغيرا كان يعمل ماسح أحذية في أحد أحياء العاصمة، وعرض عليه مبلغا ماليا معتبرا مقابل القيام بتصرف بسيط يتمثل في تقبيل يد رجل يهودي كان يجلس بأحد المقاهي وطلب تلميع حذائه. غير أن رد فعل الطفل كان مفاجئا ومعبرا، إذ رفض الفكرة بشكل قاطع وأبدى غضبا شديدا، معتبرا أن كرامته لا تسمح له بالقيام بمثل هذا التصرف مهما كان المقابل.
وقد أورد أحمد توفيق المدني تفاصيل هذا المشهد بوصفه دليلا على أن الشعور بالكرامة والانتماء الوطني كان متجذرا حتى لدى أبسط فئات المجتمع الجزائري، وأن الوعي الشعبي كان يتجاوز في كثير من الأحيان الاعتبارات المادية والظروف الاجتماعية الصعبة التي عاشها الجزائريون تحت وطأة الاستعمار.
وتبقى هذه الرواية، بغض النظر عن اختلاف القراءات التاريخية لها، شاهدا على مرحلة من تاريخ الجزائر كانت فيها الهوية الوطنية تتشكل وتتجذر في مواجهة مختلف التحديات السياسية والثقافية التي عرفتها البلاد. كما تعكس المكانة التي احتلتها القضية الفلسطينية في وجدان الجزائريين منذ عقود طويلة، قبل قيام دولة الاحتلال بسنوات عديدة.
لقد كانت مواقف الجزائريين عبر التاريخ مرتبطة بالدفاع عن الحرية ورفض كل أشكال الاستعمار والهيمنة، وهو ما جعل القضية الفلسطينية تحظى بحضور دائم في الوعي الوطني الجزائري، باعتبارها قضية شعب يناضل من أجل حقه في أرضه وهويته وكرامته.
ومن خلال هذه الشهادة التاريخية، يتأكد أن المواقف الكبرى للشعوب لا تصنعها النخب وحدها، بل يشارك في صياغتها أيضا البسطاء الذين يحملون في وجدانهم قيما راسخة تتوارثها الأجيال وتتحول مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الجماعية للأمة.