
شهدت الساحة الإعلامية الاتصالية في العقود الأخيرة تحولاً جذرياً لم يقتصر على الأدوات والوسائل فحسب، بل امتد ليعيد تشكيل المصلطحات والمفاهيم المهنية.
ومن أبرز الظواهر اللغوية والمهنية التي أثارت – ولا تزال تثير – جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والمهنية، هو صعود مصطلح “الإعلامي” كبديل فضفاض لمصطلح “الصحفي”.
ويرى قطاع عريض من خبراء المهنة والتحليل السوسيولوجي للمؤسسات الإعلامية أن هذا الإحلال ليس مجرد تطور دلالي طبيعي، بل هو “هروب متعمد” من الاستحقاقات والالتزامات الصارمة التي يفرضها التشخيص الدقيق لهوية “الصحفي”، بهدف الإبقاء على ممارسات الاتصال الجماهيري ضمن إطار هلامي وعام.
تاريخياً، ارتبطت صفة “الصحفي” بمهنة واضحة المعالم، تقوم على ركائز أساسية لا تقبل التأويل منها: جمع المعلومات من مصادرها الأصلية والتحقق من صدقيتها، صياغة المادة الخبرية وفق قوالب تحريرية متعارف عليها علمياً (كالخبر، التقرير، التحقيق، والمقال).، الخضوع لمواثيق شرف مهنية صارمة، والمسؤولية القانونية والاجتماعية تجاه الرأي العام.
صفة “الصحفي” تمنح صاحبها شرعية مهنية ناتجة عن التكوين المتخصص والممارسة الميدانية في غرف الأخبار، حيث تحكمه تراتبية مهنية (محّرر، رئيس قسم، رئيس تحرير) تضمن فلترة المادة وتدقيقها.
في المقابل، ظهر مصطلح “الإعلامي” كمفهوم مستحدث، اتسع تدريجياً ليتجاوز حدود “المهنة” إلى “الحالة”.،ويمكن تفكيك أبعاد هذا المصطلح باعتباره أداة للهروب من التشخيص الدقيق عبر النقاط التالية، إذ يسمح مصطلح “الإعلامي” بدمج فئات متنوعة لا علاقة لها بالعمل الصحفي تحت لافتة واحدة.
فأصبح يطلق على مقدم البرامج الترفيهية، والمذيع، والمنشط، ومؤثر منصات التواصل الاجتماعي، وحتى خبير العلاقات العامة. هذا التمييع يلغي الفوارق الجوهرية بين “صناعة المحتوى الإخباري” وبين “الظهور الاتصالي”.
عندما يلوذ الفرد بصفة “إعلامي” بدلاً من “صحفي”، فإنه غالباً ما يتحلل – شعورياً أو إجرائياً – من الالتزامات الصارمة لمهنة الصحافة، فالإعلامي بمفهومه العام قد يكتفي بنقل الآراء، أو إدارة حوارات دون خلفية استقصائية، أو حتى تقديم محتوى دعائي أو ترفيهي، دون أن تطالبه الجماهير بمعايير الموثوقية والموضوعية التي تُشترط في الصحفي.
إن الإبقاء على “الإعلام” بمفهومه العام كإطار فضفاض، يخدم تيار السطحية الرقمية؛ حيث يصبح كل من يملك وسيلة للنشر أو التحدث عبر الشاشة “إعلامياً”.
هذا الهروب من التسمية الدقيقة يحرم الجمهور من فرصة فرز وتحديد المسؤوليات عن من هو ناقل الحقيقة المحترف، ومن هو مجرد ناقل للمعلومة أو مؤدٍّ على الشاشة؟ إن هذا الخلط المفاهيمي لم يمر دون ترك آثار واضحة على البيئة الاتصالية ،منها تداخل الأدوار ما جعل الجمهور يعامل “الصحافة الرصينة” بذات الريبة التي يعامل بها “المحتوى الإعلامي العام” أو الترفيهي، وأدى إلى تراجع القيمة الاعتبارية للصحافة الحقيقية.
ومع صعود “نجومية الإعلامي” المبنية على الحضور التلفزيوني أو الرقمي، تراجعت جاذبية “العمل الصحفي الميداني” الذي يتطلب الجهد، السفر، التقصي، ومواجهة الصعاب لإنتاج معرفة حقيقية, لذا فإن مواجهة فوضى المفاهيم في الساحة الاتصالية الراهنة تتطلب شجاعة في إعادة الأمور إلى نصابها.
مصطلح “الإعلامي” ليس خطأً بالكامل إذا استخدم في سياقه الأكاديمي الشامل (كأن يشمل المهندس التقني، والمخرج، والمدير الإداري للمؤسسة الإعلامية)، ولكنه يصبح أداة تضليلية عندما يُستخدم لتمييع هوية “الصحفي”.
حماية مهنة المتاعب، والدفاع عن حق الوعي الجماهيري، يستدعيان التمسك بالتشخيص الدقيق على غرار الصحافة للصحفيين الذين يصنعون الخبر ويبحثون عن الحقيقة في الميدان، والإعلام فضاء واسع يتسع للجميع، لكنه لا يمنح الشرعية المهنية لمن لا يستحقها.