في الوقت الذي كانت فيه الجزائر تستعد لطي صفحة استعمار دام أكثر من 132 سنة، اختارت منظمة الجيش السري الفرنسية (OAS) مواصلة سياسة الأرض المحروقة، أملاً في منع استقلال البلاد أو على الأقل إغراقها في الفوضى والخراب. ومن بين أخطر العمليات التي شهدتها مدينة وهران خلال الأيام الأخيرة من الوجود الاستعماري، الاعتداء الذي استهدف ميناء وهران يوم 25 جوان 1962، أي قبل أيام قليلة فقط من استفتاء تقرير المصير.
ففي ذلك اليوم المشؤوم، تعرضت المنشآت النفطية بالميناء لهجوم نفذته عناصر تابعة لمنظمة الجيش السري، وهي المنظمة الإرهابية التي أنشأها متطرفون فرنسيون رفضوا استقلال الجزائر ولجؤوا إلى العنف والتفجيرات والاغتيالات لإفشال اتفاقيات إيفيان.
وقد استهدفت العملية صهاريج الوقود التابعة لشركة “بريتيش بتروليوم” داخل الميناء، حيث تشير بعض الروايات إلى استعمال قاذفات صاروخية، بينما تتحدث شهادات أخرى عن استخدام أسلحة رشاشة تسببت في اندلاع انفجار هائل أعقبه حريق ضخم.
وسرعان ما تحولت النيران إلى كارثة حقيقية، إذ استمر الحريق لعدة أيام، بينما تصاعدت أعمدة الدخان الكثيفة فوق سماء وهران، حتى تحول النهار إلى ظلام حسب من عايشوا الفترة بفعل سحب الدخان التي غطت أجزاء واسعة من المدينة.
وقد اضطر رجال الإطفاء إلى الاستعانة بوسائل وإمكانات إضافية، بما في ذلك تدخل وحدات بحرية للمساهمة في إخماد النيران، في وقت عاش فيه سكان الأحياء المجاورة للميناء حالة من الرعب والهلع بسبب انتشار الدخان واقتراب ألسنة اللهب من المناطق السكنية.
ويعتبر المؤرخون أن هذا الاعتداء يندرج ضمن سياسة التخريب الواسعة التي انتهجتها منظمة الجيش السري خلال الأشهر الأخيرة من الاستعمار الفرنسي، حيث استهدفت المدارس والمرافق العمومية والموانئ والمؤسسات الاقتصادية، في محاولة لتدمير البنية التحتية للجزائر المستقلة.
فبعد توقيع اتفاقيات إيفيان في مارس 1962، صعّدت المنظمة المتطرفة عملياتها الإرهابية، مقتنعة بأن إفشال الاستقلال لن يتم إلا عبر نشر الخوف وإغراق البلاد في الفوضى. غير أن إرادة الجزائريين كانت أقوى من تلك المحاولات، حيث توجه الشعب بعد أيام قليلة إلى صناديق الاقتراع للتصويت لصالح الاستقلال.
وجاء استفتاء الأول من جويلية 1962 ليؤكد بشكل ساحق تمسك الجزائريين بحريتهم وسيادتهم، لتنتهي بذلك آخر محاولات اليأس التي لجأت إليها منظمة الجيش السري.
واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على هذه الأحداث، يبقى اعتداء ميناء وهران شاهدًا على مرحلة مؤلمة من تاريخ المدينة، وعلى حجم الدمار الذي كانت بعض التنظيمات المتطرفة مستعدة لإلحاقه بالجزائر من أجل منع استقلالها.
كما يذّكر هذا الحدث الأجيال الجديدة بأن معركة التحرير لم تقتصر على الجبال وساحات القتال، بل امتدت إلى المدن والموانئ والمرافق الحيوية التي حاول الاستعمار المتطرف تدميرها قبل رحيله، غير أن الجزائر استطاعت، رغم كل ذلك، أن تستعيد سيادتها وتبدأ مسيرة البناء والاستقلال…المجد و الخلود لشهدائنا الأبرار.