مع كل استحقاق انتخابي تشهده الجزائر، تتجدد أساليب الدعاية السياسية وتتغير أدوات التواصل بين المترشحين والناخبين. فبعد عقود ارتبطت فيها الحملات الانتخابية بالمهرجانات الشعبية والملصقات الجدارية والمكاتب الحزبية واللقاءات الجوارية، تبدو تشريعيات الثاني من جويلية المقبلة محطة فارقة في تاريخ الممارسة الانتخابية، بعدما فرض الفضاء الرقمي نفسه كفاعل أساسي في تشكيل الخطاب السياسي والتأثير على الرأي العام.
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه خلال هذه الحملة هو التراجع الملحوظ لحضور اللوحات الإشهارية التقليدية في العديد من الأحياء والساحات العمومية، حيث بدت بعض الهياكل المخصصة لتعليق صور المترشحين وشعاراتهم شبه خالية مقارنة بالاستحقاقات السابقة. وفي المقابل، انتقلت المعركة الانتخابية إلى الهواتف و اللوحات الذكية وشاشات البي سي، لتصبح منصات التواصل الاجتماعي الساحة الجديدة للتنافس السياسي.
الفضاء الرقمي بديلاً عن المقرات الحزبية
لم تعد المداومات الانتخابية والمقرات الحزبية الوسيلة الوحيدة للتواصل مع المواطنين، إذ تحولت منصات مثل “فيسبوك” و”تيك توك” و”إنستغرام” إلى فضاءات انتخابية مفتوحة على مدار الساعة. وأصبح المترشح يخاطب الناخبين عبر البث المباشر ومقاطع الفيديو القصيرة والمنشورات التفاعلية، في محاولة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستخدمين.
وقد ساهمت هذه المنصات في تقليص المسافات الجغرافية والزمنية، حيث بات بإمكان المترشح عرض برنامجه الانتخابي ومناقشة القضايا المحلية والوطنية من أي مكان، بينما يستطيع المواطن متابعة المحتوى والتفاعل معه في أي وقت.
عدد المتابعين كمؤشر سياسي جديد
أفرزت الرقمنة الانتخابية مؤشرات جديدة للحضور السياسي، فلم يعد عدد المناضلين والمنخرطين داخل الأحزاب هو المعيار الوحيد لتقييم القوة السياسية، بل أصبح عدد المتابعين وحجم التفاعل والمشاهدات على المنصات الرقمية جزءاً من معادلة التأثير.
وفي هذا السياق، اتجه بعض المترشحين إلى الاستثمار في المحتوى الرقمي والتسويق السياسي الإلكتروني، مع الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات الاستهداف الرقمي التي تسمح بوصول الرسائل السياسية إلى فئات محددة من الناخبين.
غير أن هذا الحضور الرقمي، رغم أهميته، لا يشكل بالضرورة ضماناً للفوز الانتخابي، إذ تبقى صناديق الاقتراع هي الفيصل الحقيقي بين الشعبية الافتراضية والتأييد الميداني.
الخوارزميات بدلاً من الملصقات
في السابق كانت الأحزاب تتنافس على أفضل المواقع لتعليق الملصقات الانتخابية واستغلال الفضاءات العمومية، أما اليوم فقد أصبحت الخوارزميات الرقمية تؤدي هذا الدور، حيث تصل الرسائل السياسية إلى المستخدمين وفق اهتماماتهم وتفاعلاتهم وسلوكهم الرقمي.
هذا التحول لا يقتصر على الوسيلة فقط، بل يشمل أيضاً طبيعة الخطاب السياسي، إذ انتقلت الحملات من الخطب الطويلة والبيانات التقليدية إلى محتويات قصيرة وسريعة تتناسب مع طبيعة المنصات الرقمية ومتطلبات الجمهور الجديد.
كما برزت تقنيات التصميم الرقمي والفيديوهات القصيرة والصور المعالجة بالذكاء الاصطناعي كأدوات جديدة في التنافس الانتخابي، ما يعكس دخول الجزائر تدريجياً إلى مرحلة جديدة من الاتصال السياسي.
ورغم المزايا التي توفرها الرقمنة من حيث سرعة الوصول وانخفاض التكاليف واتساع دائرة الانتشار، فإنها تطرح في الوقت نفسه تحديات عديدة، أبرزها انتشار المعلومات غير الدقيقة، وصعوبة التحقق من بعض المحتويات المتداولة، إضافة إلى إمكانية توظيف الحسابات الوهمية أو الحملات الموجهة للتأثير على الرأي العام.
كما يثير هذا التحول تساؤلات حول مستقبل العمل الحزبي الميداني، ومدى قدرة الأحزاب السياسية على الحفاظ على دورها التقليدي في التأطير والتعبئة، في ظل صعود أشكال جديدة من التواصل السياسي تعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
كما تكشف تشريعيات الثاني من جويلية عن ولادة مشهد انتخابي جديد في الجزائر، تتداخل فيه السياسة مع التكنولوجيا، وتصبح فيه المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من المنافسة الانتخابية.