يحتفل عموم الجزائريين في الثامن والعشرين من شهر جوان لكل سنة بمعركة المقطع الخالدة، لتي سطّرت من خلالها صفحة من أعظم صفحات المقاومة الوطنية، عندما تمكنت قوات الأمير عبد القادر الباسلة من إلحاق هزيمة قاسية بالجيش الفرنسي في تلك المعركة المصيرية، التي دوّت أصداؤها داخل فرنسا وأصبحت تعرف في بعض الكتابات الفرنسية بـ”مأساة المقطع”.
جاءت المعركة بعد خرق السلطات الفرنسية للاتفاقات المبرمة مع الأمير، ومحاولتها توسيع نفوذها في الغرب الجزائري، غير أن الأمير عبد القادر استطاع بفضل حسن التنظيم وسرعة الحركة والاستفادة من طبيعة الأرض أن يطوّق قوات الجنرال تريزيل عند وادي المقطع، ملحقاً بها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، ومجبراً إياها على الانسحاب في ظروف صعبة.
ولم يكن انتصار المقطع مجرد نجاح عسكري عابر، بل شكل محطة مفصلية في بناء الدولة الجزائرية الحديثة، إذ أكد قدرة الأمير عبد القادر على إدارة جيش منظم وقيادة مشروع سياسي وعسكري متكامل، كما عزز التفاف القبائل حوله ورسخ مكانته قائداً للدولة والمقاومة.
وتستخلص من هذه المعركة العديد من القيم والدروس، أبرزها أهمية وحدة الصف، وحسن القيادة، والانضباط العسكري، والاستفادة من الجغرافيا في إدارة المعارك، إضافة إلى الإيمان بالقضية الوطنية والقدرة على تحويل الإمكانات المحدودة إلى عناصر قوة وحسم.
كما تكشف معركة المقطع عن عبقرية الأمير عبد القادر في حرب المناورة والتخطيط الميداني، وهي مبادئ عسكرية لا تزال تحظى باهتمام الباحثين والمؤرخين العسكريين، وتُستحضر ضمن دراسات الاستراتيجية والحروب غير المتكافئة في العديد من الأكاديميات والمعاهد العسكرية حول العالم، باعتبارها نموذجاً ناجحاً لمواجهة جيش متفوق عدداً وعتاداً.
وبعد مرور 191 سنة على هذا الانتصار الخالد، تبقى معركة المقطع رمزاً للعزة الوطنية ودليلاً على أن الإرادة والتنظيم والقيادة الحكيمة قادرة على صناعة التاريخ، مهما بلغت قوة الخصم أو حجم التحديات.