ما قل ودل

لم ينحنِ لفرنسا وسطر ملحمة البطولة والوفاء…طيف الشريف بومعزة لا يزال يؤرق فرنسا

شارك المقال

لم تكن المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل كانت مدرسة في الكبرياء والكرامة تجلت في شخصيات فذة رفضت المساومة. ومن بين هذه الرموز الخالدة يبرز اسم “الشريف بومعزة” (محمد بن عبد الله)، الشاب الذي قاد ثورة شعبية عارمة في منطقة الظهرة وحوض الشلف، وزلزل أركان الإدارة الاستعمارية في أربعينيات القرن التاسع عشر بفضل دهائه العسكري وروحه الإيمانية الصلبة.

تجلت عظمة هذا البطل في مواقفه الوجودية، ولعل أبرز ما خلدته الذاكرة التاريخية هو نص محاكمته الشهير أمام القضاء الفرنسي بعد قصة صمود طويلة. لم يكن بومعزة مجرد أسير يدافع عن حياته، بل تحول في قاعة المحكمة إلى قاضٍ يحاكم جلاديه؛ فحين سأله القاضي عن سبب قتاله لفرنسا، أجاب بكل شموخ: “لكونها دولة باغية طاغية معتدية علينا”. وعندما حاول القاضي كسر معنوياته بالإشارة إلى انضمام بعض الأهالي العملاء للاحتلال، رد بنظرة ثاقبة شخصت واقع الخيانة والترهيب، واصفاً إياهم بأنهم إما أبرياء يخشون على حياتهم، أو “سفلة خونة” يركضون خلف الأوسمة ورضا الحاكم.

أظهرت المحاكمة معدن الرجل الخالص الذي لا يخشى الموت ولا يطمع في الحياة، حيث أكد للقاضي الفرنسي أنه إن أُطلق سراحه فسيعود فوراً للجهاد، وإن قُتل سيموت ناطقاً بالشهادتين، وإن سُجن فسيقضي وقته متعبداً يدعو بنصرة العدل على الظلم. هذا الإيمان المطلق والموقف الفذ أجبر الأعداء على احترامه رغماً عنهم، فحُكم عليه بالسجن ليقضي فيه فترة قبل أن تُفرَج عنه الأقدار وتأخذه في مسار نضالي جديد.

لم تنتهِ مسيرة الشريف بومعزة بانتهاء ثورته في الجزائر؛ فبعد إطلاق سراحه، قاده الشغف بمحاربة الظلم ونصرة قضايا الأمة إلى السفر نحو الخلافة العثمانية. وهناك، انضم البطل الجزائري إلى الجيش العثماني وشارك ببسالة في “حرب القرم” ضد الإمبراطورية الروسية، ليثبت للعالم أن روحه الثائرة لا تعترف بالحدود الجغرافية، وأن الدفاع عن الحق والعدل هو عقيدة رافقته حتى آخر أنفاسه، تاركاً للأجيال إرثاً من الكرامة لا يمحوه الزمن.

المصدر: moudjahidine.gov.dz,biblionat.dz

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram