ما قل ودل

مونديال 2026 يكتب نهاية “المنطق الكروي”…هل نحن على أعتاب بطل تاريخي جديد؟

شارك المقال

لم تعد كرة القدم تعترف ببطاقات الهوية التاريخية، ولا بأرقام القيمة السوقية الفلكية للاعبين، وهذا هو العنوان العريض والدرس الأبرز الذي تقدمه لنا النسخة الحالية من مونديال 2026. فما نشهده اليوم على أرضية الميدان ليس مجرد مفاجآت عابرة أو طفرات مؤقتة، بل هو ثورة حقيقية تعلن نهاية زمن السيطرة المطلقة للقوى التقليدية كالأرجنتين، البرازيل، إنجلترا، وفرنسا. لقد تهاوت الحسابات القديمة لتفتح الباب على مصراعيه أمام واقع كروي جديد يقول باختصار أن كل شيء أصبح وارداً في عالم الساحرة المستديرة، وأن كلمة المستحيل قد حُذفت تماماً من قاموس اللعبة.

وقبل انطلاق هذه البطولة، كان الكثير من المحّللين والنقّاد يخشون أن يؤدي توسيع المونديال إلى ثمانية وأربعين منتخباً إلى تمييع المستوى الفني العام وإضعاف متعة المشاهدة، لكن ما حدث على أرض الواقع جاء ليعكس التوقعات تماماً. فقد منحت هذه التوسعة التاريخية منصة ذهبية لمنتخبات كانت تصنف بالأمس القريب في خانة الفرق الصغيرة أو غير المرشحة، لتثبت للعالم أن الفجوة الكروية بين القارات قد تلاشت، وأن المنطق السائد الذي يمنح الأفضلية الدائمة للكبار قد انتهى بلا عودة.

ولعل المتابع لتفاصيل هذه النسخة يدرك حجم الزلزال الذي ضرب القوى العظمى في اللعبة، حيث شكل خروج المنتخب الألماني بركلات الترجيح يوم أمس أمام الباراغواي صدمة تاريخية كبرى هزت أركان المانشافت، وأشعلت في المقابل احتفالات وطنية عارمة في باراغواي وصلت إلى حد إعلان عطلة رسمية في البلاد. وفي الوقت نفسه، تحول منتخب الرأس الأخضر إلى حديث العالم وإلى الحصان الأسود الحقيقي للبطولة بعدما نجح في حجز مقعده بجدارة في الأدوار الإقصائية، يرافقه في هذا التألق اللافت أداء بطولي وشجاع من منتخب الكونغو الديمقراطية، في حين يتواصل الغياب التاريخي للمنتخب الإيطالي عن المونديال للمرة الثالثة على التوالي ليؤكد أن عراقة الماضي لم تعد تشفع لأحد في الحاضر.

ورغم أن أساطير مثل كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي يواصلون صناعة الحدث وتقديم مستويات استثنائية تؤكد أن العمر مجرد رقم، إلا أن البطولة الحالية أثبتت أن اللعب الجماعي والروح القتالية هو من يصنع الفارق الآن. إن هذه المعطيات مجتمعة تعّزز فرضية قوية جداً يدعّمها الأرقام والأداء، وهي أن هذا المونديال قد يشهد تتويج بطل جديد لم يسبق له رفع الكأس الغالية طوال التاريخ، خاصة وأن المنتخبات الكبيرة لم تعد مخيفة كما كانت في السابق.

وفي قلب هذا التحول الكروي المثير، يبرز الحضور الإفريقي والعربي القوي والمميز لمنتخبات مصر والجزائر والرأس الأخضر ليؤكد الطفرة الكبيرة التي تشهدها كرة القدم في المنطقة. وبالحديث عن مستوى المحاربين تحديداً، فإن قصتهم في هذا المونديال تحمل الكثير من معاني الإصرار والتحدي؛ فرغم الخسارة القاسية التي تلقاها “محاربو الصحراء” أمام الأرجنتين، إلا أن نجاحهم في البقاء داخل دائرة المنافسة وسباق التأهل حتى الأنفاس الأخيرة يثبت المعدن الأصيل لهذا الفريق الذي يعشق التحديات.

واليوم، تشير القراءة الفنية لجدول المباريات والقرعة إلى أن الطريق نحو الأدوار المتقدمة أصبح ممهداً بشكل مثالي أمام الخضر  لصناعة مجد جديد. وتبدأ هذه الرحلة من مواجهة دور الثمن النهائي الحاسمة ضد منتخب سويسرا، حيث يمثل الفوز في هذا اللقاء العبور نحو آفاق أوسع، خصوصاً وأن المتأهل من هذه الموقعة سيلتقي بالفائز من مواجهة غانا والإكوادور. وهي مواجهات، بالرغم من قيمتها وصعوبتها، تظل تماماً في متناول التشكيلة الوطنية إذا ما استعادت توازنها الدفاعي وروحها الانتصارية المعهودة، مما يجعل حلم الوصول بعيداً مشروعاً تماماً في مونديال لا يعترف بالصغار أو الكبار، بل يعترف فقط بمن يعطي أكثر على أرضية الميدان.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram