و الآن و قد انتهت مغامرة محاربي الصحراء في نهائيات كأس العالم 2026، ووّدع “الأفناك” المنافسة بطريقة مُرّة لم يتقبلها ملايين الجزائريين الذين كانوا يحلمون برؤية منتخبهم يواصل كتابة التاريخ في أكبر محفل كروي عالمي. وبعد أن هدأت مشاعر الصدمة، حان الوقت للانتقال من لغة العاطفة إلى منطق التحليل، لأن المستقبل لا يبنى بالأسف و البكاء على أطلال مونديال 82، وإنما باستخلاص الدروس.
لقد أثبتت مباراة سويسرا كمعيار أن الإقصاء لم يكن وليد تسعين دقيقة، بل نتيجة تراكمات رافقت المنتخب الوطني منذ بداية البطولة. فالفريق السويسري، رغم احترامنا لقيمته، لم يكن ذلك المنافس الذي يستحيل تجاوزه، غير أن فريقنا الوطني ظهر بعيدًا عن المستوى الذي انتظرته الجماهير، سواء من الناحية البدنية أو التكتيكية أو حتى الذهنية.
ومن بين النقاط التي ستبقى محل نقاش، إصرار الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش على الاعتماد على مجموعة محدودة من اللاعبين، رغم توفر عناصر أخرى على دكة البدلاء كان بإمكانها منح الإضافة في بعض المباريات. فاستدعاء لاعبين مثل تيطراوي أو توغاي على سبيل المثال يفقد معناه إذا ظل وجودهم يقتصر على قائمة المباراة دون منحهم فرصة حقيقية لإثبات قدراتهم عندما تفرض الظروف ذلك.
أما ملف حراسة المرمى، فيستحق وقفة خاصة. فهذا المركز لا يُبنى في أشهر قليلة، بل يحتاج إلى سنوات من العمل والتكوين. وقد يرى البعض أن الاستفادة من خبرة رايس مبولحي، حتى مع تقدمه في السن، كانت تستحق الدراسة، خاصة وأن كرة القدم العالمية عرفت حراسًا واصلوا التألق في سن متقدمة، مثل الإيطالي دينو زوف الذي قاد منتخب بلاده إلى التتويج بكأس العالم 1982، والإنجليزي بيتر شيلتون الذي كان أحد أبرز نجوم مونديال 1990. و حتى مع المصري الحضري في كأس إفريقيا. ومع ذلك، يبقى تقييم هذا الخيار في النهاية مسألة فنية تختلف حولها الآراء.
و حاليا يبقى الأهم من كل ذلك هو التفكير في المستقبل. فالمنتخبات الكبيرة لا تنتظر وقوع الأزمات حتى تبحث عن الحلول، بل تستثمر باستمرار في تكوين اللاعبين، خاصة في المراكز الحساسة. ويبدو أن حراسة المرمى في الجزائر أصبحت بحاجة إلى مشروع وطني حقيقي، يعتمد على تكوين الحراس وفق أحدث المناهج، سواء داخل الوطن أو من خلال شراكات مع أكاديميات عالمية متخصصة، بما يضمن إعداد جيل جديد قادر على حمل المشعل في الاستحقاقات المقبلة.
كما أن تجديد المنتخب لا يقتصر على الحراس فقط، بل يشمل أيضًا التنقيب المبكر عن المواهب في مختلف ولايات الوطن، وإعادة الاعتبار للعمل القاعدي داخل المدارس الكروية والأندية، مثلما كانت الجزائر في الماضي تكتشف مدافعين ولاعبين كبارًا من مختلف المناطق من أمثال مغارية و بلغربي في مراكز الدفاع القادمين من أولمبي الشلف و بن صاولة و مصابيح من إتحاد حمام بوحجر و هلم بغيرهم جّرا ، ليصبحوا فيما بعد أعمدة للمنتخب الوطني.
إن كأس العالم ليست نهاية الطريق، بل محطة للتقييم وإعادة البناء. والمنتخبات التي تحقق الإنجازات هي تلك التي تتعلم من إخفاقاتها أكثر مما تحتفل بانتصاراتها.
ويبقى المنتخب الوطني أكبر من أي خسارة، وستظل الجماهير الجزائرية وفية لـ”الخضر”، لأن حب المنتخب لا يعني التغاضي عن الأخطاء، بل يقتضي نقدها بموضوعية واقتراح الحلول خصوصا في عالم الإعلام الحديث. فالنقد المسؤول ليس تشكيكًا في المنتخب، وإنما هو أضعف الإيمان في سبيل رؤية الجزائر أكثر قوة في المواعيد القادمة، وأكثر قدرة على المنافسة مع كبار العالم…و الله على ما قول شهيد.