في تاريخ الثورة الجزائرية أسماء كثيرة صنعت المجد وكتبت بدمائها ملحمة التحرير، لكن اسم المجاهدة جميلة بوباشا يظل واحدًا من أكثر الأسماء إشعاعًا وتأثيرًا، لأنها لم تكن مجرد مناضلة في صفوف جبهة التحرير الوطني، بل تحولت إلى رمز عالمي لمقاومة الظلم والتعذيب والاستعمار، وإلى قضية إنسانية تجاوزت حدود الجزائر لتصل إلى ضمير العالم بأسره.
ولدت جميلة بوباشا سنة 1938 بحي سانت أوجين، المعروف اليوم ببولوغين بالعاصمة الجزائر، وترعرعت في ظل نظام استعماري قائم على التمييز والقهر والحرمان. ومع اشتداد أوزار الثورة التحريرية، التحقت بصفوف جبهة التحرير الوطني، مؤمنة بأن الحرية لا تُنتزع إلا بالتضحية.
وفي فبراير 1960، اعتقلتها السلطات الاستعمارية الفرنسية بتهمة المشاركة في عملية وضع قنبلة تم نزع فتيلها قبل انفجارها. غير أن ما أعقب الاعتقال لم يكن تحقيقًا قضائيًا عادياً، بل تحول إلى واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبتها آلة القمع الاستعمارية.
تعرضت جميلة بوباشا لأكثر من شهر من التعذيب الوحشي والانتهاكات الجسدية والنفسية داخل مراكز الاعتقال الفرنسية. كان الهدف انتزاع الاعترافات وكسر إرادة المناضلة الشابة، لكن جلاديها لم يدركوا أن إرادة الجزائريين كانت أقوى من السجون وأشد صلابة من أدوات التعذيب.
لقد أصبحت قضية جميلة بوباشا شاهداً جديداً على سياسة التعذيب الممنهج التي انتهجها الاستعمار الفرنسي خلال حرب التحرير، وهي الممارسات التي حاولت السلطات الفرنسية حينها إخفاءها عن الرأي العام الدولي.
أمام هول ما تعرضت له جميلة بوباشا، تشكلت في فرنسا جبهة تضامن غير مسبوقة ضمت محامين ومثقفين وفنانين قرروا كسر جدار الصمت.
تولت المحامية الفرنسية جيزيل حليمي الدفاع عنها، وجعلت من قضيتها معركة قانونية وأخلاقية ضد التعذيب والاستعمار. وبرغم التهديدات والضغوط، أصرت على تدويل القضية وتحويلها من ملف قضائي إلى قضية رأي عام.
وسرعان ما انضمت الفيلسوفة والكاتبة سيمون دو بوفوار إلى هذا النضال، حيث نشرت في جوان 1960 مقالاً مدوياً على صفحات صحيفة لوموند الفرنسية، اعتبرت فيه أن قضية جميلة بوباشا أصبحت “قضية ضمير” بالنسبة للرأي العام الفرنسي.
كما أسست لجنة للدفاع عن جميلة بوباشا ضمت أسماء فكرية كبيرة، من بينها جان بول سارتر، ولويس أراغون، وإيمي سيزار، الذين طالبوا بكشف الحقيقة ووضع حد لممارسات التعذيب في الجزائر.
وفي عام 1962، أصدرت سيمون دو بوفوار وجيزيل حليمي كتابهما الشهير “جميلة بوباشا”، الذي وثق معاناة المناضلة الجزائرية وكشف للعالم جزءاً من جرائم الاستعمار الفرنسي.
عندما حمل بيكاسو قضية الجزائر في ريشته
ولم يقتصر التضامن مع جميلة بوباشا على رجال القانون والفكر، بل امتد إلى عالم الفن. فقد تأثر الرسام الإسباني العالمي بابلو بيكاسو بقضيتها، فأنجز سنة 1962 رسماً شهيراً لها بالفحم، جسد ملامحها الهادئة وإصرارها الكبير.
تحول ذلك الرسم إلى أيقونة عالمية، ونُشر على أغلفة الكتب والصحف، ليصبح وجه جميلة بوباشا رمزاً لمعاناة الشعب الجزائري وصموده في وجه الاستعمار.
مع توقيع اتفاقيات إيفيان واستقلال الجزائر سنة 1962، استعادت جميلة بوباشا حريتها، لكنها خرجت من السجن أكبر من مجرد مناضلة أو ضحية. لقد أصبحت رمزاً عالمياً للكرامة الإنسانية والانتصار على الظلم.
إن قصة جميلة بوباشا ليست مجرد صفحة من صفحات الثورة الجزائرية، بل هي شهادة حية على قدرة الإنسان على مقاومة القهر، وعلى قوة التضامن الإنساني عندما يتحد الفن والفكر والقانون للدفاع عن الحق.
تكريم جميلة بوباشا اليوم هو تكريم لكل المرأة الجزائرية التي دفعت ثمناً باهظاً من أجل الحرية والاستقلال. وهو أيضاً تذكير للأجيال الجديدة بأن الثورة الجزائرية لم تكن حرب بنادق فقط، بل كانت أيضاً معركة قيم وإنسانية وكرامة.
ولا يزال اسم جميلة بوباشا يتردد إلى اليوم باعتباره درساً في الشجاعة والصمود، ورمزاً خالداً لامرأة واجهت آلة التعذيب الاستعمارية بإيمانها بقضية شعبها، فهزمت جلاديها، وانتزعت مكانها في سجل الخالدات، وفي ذاكرة الإنسانية جمعاء.