ما قل ودل

المحاكاة الساخرة في الإعلام الإلكتروني…سلسلة الوهراني في جريدة المقال أنموذجاً

شارك المقال

 

بقلم الأستاذ العربي بوعمامة

لم تعد المحاكاة الساخرة حكرًا على الرواية أو الأجناس الأدبية التقليدية، بل غدت أحد الأساليب التعبيرية التي تبنتها الصحافة الإلكترونية لمعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية من منظور نقدي، يجمع بين الوظيفة الإخبارية والبعد الجمالي. وفي هذا السياق، تبرز تجربة جريدة المقال الإلكترونية من خلال سلسلتها “مغامرات الوهراني” بوصفها أنموذجًا دالًا على توظيف المحاكاة الساخرة في بناء خطاب صحفي بديل، يتجاوز السرد الإخباري التقليدي إلى إنتاج خطاب نقدي متعدد الدلالات.

تعتمد السلسلة على شخصية رمزية مستمدة من البيئة المحلية، تتحرك داخل سياقات اجتماعية وسياسية متنوعة، لتعيد تشكيل الواقع عبر آليات المفارقة والتهكم والتضخيم والإيحاء. ولا تكتفي هذه الشخصية بعرض الوقائع كما حدثت، وإنما تعيد إنتاجها في قالب سردي يكشف التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية، وبين القيم المعلنة والواقع الاجتماعي، بما يجعل السخرية أداةً للكشف والنقد أكثر من كونها وسيلة للإضحاك.

وتستند السلسلة إلى مجموعة من الآليات البلاغية والتداولية، من بينها توظيف الأمثال الشعبية، واللغة الدارجة، والإحالات الثقافية، والتناص مع أحداث وشخصيات معروفة لدى الجمهور. ويمنح هذا التوظيف النص كثافة دلالية تسمح بتعدد مستويات القراءة, إذ يستقبل القارئ النص، من جهة، بوصفه حكاية ساخرة، ومن جهة أخرى باعتباره خطابًا نقديًا يحمل موقفًا ضمنيًا من عدد من الظواهر الاجتماعية والإدارية والسياسية.

كما تكشف “مغامرات الوهراني” عن قدرة السرد الصحفي الساخر على تجاوز المباشرة في التعبير عن الموقف، إذ تُبنى الدلالة من خلال المفارقات والانزياحات الدلالية والرموز، بما يجعل المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى وتأويله. وبهذا تنتقل الوظيفة الصحفية من مجرد نقل الأخبار إلى بناء خطاب تواصلي يثير التفكير، ويحفز القارئ على مساءلة الواقع وإعادة قراءته.

وتؤكد هذه التجربة أن المحاكاة الساخرة في الإعلام الإلكتروني ليست مجرد أسلوب لغوي أو تقنية للترفيه، وإنما تمثل استراتيجية اتصالية ونمطًا من الخطاب الإعلامي النقدي، يوظف السرد والرمز والمفارقة لإعادة بناء الواقع وكشف تناقضاته. ومن ثم، تُعد سلسلة “مغامرات الوهراني” أنموذجًا بارزًا لتوظيف السرد الساخر في الصحافة الرقمية الجزائرية، حيث تتكامل الوظيفة الإخبارية مع الوظيفة النقدية والجمالية لإنتاج خطاب إعلامي قادر على التأثير في المتلقي، وإثارة التفكير، وتعزيز الوعي بالقضايا المجتمعية

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram