في أحد أيام شهر أوت الحالي الساخنة، وبعد أن اشتد الحر وبدأ السي عبد القادر الوهراني يشعر بأن الشمس قررت أن تنتقم منه شخصيًا، جلس أمام البيت وقال:
— اليوم نروح للبحر… الواحد لازم يبدّل الجو!
سمعته زوجته فقالت:
— روح، بصح ما تنساش تدّي معاك المظلة والكريم والما والساندويتشات.
قال الوهراني بثقة:
— يا امرا، راني رايح للبحر، ماشي رايح نحارب في الصحراء!
خرج الوهراني رفقة صديقه حاملاً كيسًا صغيرًا، وفيه منشفة وقنينة ماء ونظارات شمسية اشتراها من الفايسبوك بسعر جعله يشعر أنه اشترى نصف إسبانيا.
وصل إلى الشاطئ، فوجد أن نصف سكان وهران سبقوه إليه.
وقف ينظر إلى الزحام وقال:
— يا لطيف! واش هذا؟ كامل وهران جات للبحر؟
رّد عليه أحدهم:
— يا خويا، الناس هاذي راهي من البارح هنا!…اجميع راه يبارك في قرارات السلطات للاستفادة بالمجّان.
قال الوهراني:
— الحمد لله… كنت خايف نلقى روحي وحدي!
اقترب من الشاطئ، وضع المنشفة، ثم بدأ يبحث عن مكان فارغ.
يمشي مترًا…
ثم مترين…
ثم ثلاثة…
كل مكان مشغول.
واحد حاط كرسيين.
آخر حاط مظلة بحجم خيمة.
عائلة كاملة حاصرت قطعة من الشاطئ وكأنها أعلنت استقلالها.
قال الوهراني:
— البحر هذا راهو ولّى ملكية خاصة!
وأخيرًا وجد مساحة صغيرة بين مظلتين.
فرح وقال:
— الحمد لله! لقيت بلاصة.
جلس.
وبعد أقل من دقيقة جاء طفل صغير وقال له:
— عمي، هذي بلاصة بابا.
قال الوهراني:
— وين باباك؟
قال الطفل:
— راح يجيب كرسي.
قال الوهراني:
— ومنين راح يجيب الكرسي؟
قال الطفل:
— من عندك… راك قاعد فوق بلاصتو!
نهض الوهراني وهو يتمتم:
— البحر واسع… بصح البلاصة الضيقة هي اللّي يختلفو عليها!
دخل الماء أخيرًا.
أول موجة ضربته.
رجع للخلف وقال:
— الماء بارد!
قال له صاحبه:
— عادي، البحر هكذا.
قال الوهراني:
— عارف، بصح ما توقعتوش يبرد هكذا بلا ما يستأذن!
تقدم مرة أخرى، ثم غاص قليلًا.
وفجأة صرخ:
— يا جماعة!
التفت الجميع إليه.
قال:
— شكون حط حجر هنا؟!
قال له أحد السباحين:
— هذا ماشي حجر، هذا قنفذ بحر!
خرج الوهراني بسرعة وقال:
— قنفذ؟! يعني حتى الحيوانات ولات تدخل للبحر بلا ما تخلص؟
جلس تحت المظلة، وأخرج ساندويتشًا.
وبينما هو يأكل، جاءت النوارس.
واحدة اقتربت.
الثانية اقتربت.
الثالثة أصبحت على بعد سنتيمترات منه.
قال الوهراني:
— شوفوا… حتى النوارس عرفت أن عندي الماكلة!
حاول إبعادها.
فخطف أحدها قطعة من الساندويتش.
وقف الوهراني مذهولًا:
— يا جماعة! السرقة أصبحت علنية!…عيني عينك
قال له صاحبه:
— خليها، راهي غير نورس.
أجاب:
— نورس ولا مسؤول في البلدية؟! حقي حقي!
بعد قليل، قرر الوهراني أن يأخذ صورة تذكارية.
وقف أمام البحر، لبس النظارات، ورفع يده.
قال لصديقه:
— صوّرني وخلي البحر كامل يبان.
صوّره صاحبه.
نظر الوهراني إلى الصورة وقال:
— علاش وجهي ما بانش؟
قال صاحبه:
— خاطر الشمس من وراك.
قال:
— عاود صوّر.
أعاد التصوير.
قال الوهراني:
— البحر ما بانش!
قال صاحبه:
— قلت لي نبيّن البحر كامل.
قال الوهراني:
— وأنا قلت لك صوّرني أنا! البحر راهو موجود من قبل ما نجي!
مع غروب الشمس، بدأ الوهراني يجمع أغراضه.
قال له صاحبه:
— واش رايك في البحر؟
فكر قليلًا وقال:
— البحر مليح…
ثم أضاف:
— بصح المرة الجاية نجي في الشتاء.
استغرب صاحبه:
— علاش؟
قال الوهراني:
— على الأقل نلقى بلاصة نقعد فيها!
ثم حمل كيسه، ونظر إلى البحر وقال:
— بصح بصراحة… البحر هذا عندو مستقبل.
قال صاحبه:
— كيفاش؟
أجاب الوهراني:
— كل عام يجيب ملايين الناس… وما يخلص حتى واحد منهم الضريبة!