ما قل ودل

لغتنا مرآة هويتنا…معركة التحرر من آثار الاستعمار “البشير الإبراهيمي أنموذجا”

صورة للشيخ الإبراهيمي في دمشق أيام ثورة التحرير

شارك المقال

يعود منطق تفكير الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي إلى الواجهة كلما تجدد النقاش حول اللغة والهوية وآثار الاستعمار الثقافية والفكرية، خصوصاً أن بعض ما كتبه قبل عقود طويلة يبدو وكأنه يصف جدلاً لا يزال حاضراً في المجتمعات التي عانت من الإستعمار إلى اليوم.

ثم يواصل نقده لما يعتبره تعلقاً ببعض مظاهر الثقافة الفرنسية، وصولاً إلى الحديث عن «عقول جوفاء تحن إلى التفكير على النمط الفرنسي».

و تكمن أهمية منطق تفكير عالمنا الجليل في أن الإبراهيمي لم يكن ينظر إلى الاستعمار باعتباره احتلالاً عسكرياً وسياسياً للأرض فقط، بل كان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يتركه المستعمر وراءه هو إعادة تشكيل الإنسان من الداخل.

فالاحتلال يستطيع أن يرحل بجنوده وإدارته، لكن آثاره يمكن أن تستمر في المدرسة واللغة والعادات وأنماط التفكير وحتى في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى نفسه وإلى الآخر.

وهذا ما جعل معركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مع الاستعمار تتجاوز المجال السياسي المباشر إلى معركة على الشخصية الجزائرية.

فاللغة بالنسبة إلى الإبراهيمي لم تكن مجرد وسيلة للتواصل، وإنما كانت جزءاً من منظومة أوسع تتصل بالثقافة والذاكرة والانتماء.

ومن المهم هنا عدم إسقاط تفكير الإبراهيمي على واقع اليوم بطريقة سطحية.

فالإشكال لم يكن، ولا ينبغي أن يكون، في تعلم لغة أجنبية أو الانفتاح على ثقافات العالم.

فاللغة الفرنسية، مثل الإنجليزية وغيرها، يمكن أن تكون أداة للعلم والمعرفة والتواصل والانفتاح الدولي.

لكن الإبراهيمي كان يحذر من شيء مختلف: أن تتحول اللغة الأجنبية من أداة نمتلكها إلى أداة تمتلكنا، وأن يصبح استعمالها تعبيراً عن شعور بالدونية تجاه اللغة الوطنية والثقافة المحلية.وهذا فرق جوهري.

فالأمم القوية لا تخاف من اللغات، بل تتعلمها جميعاً، لكنها لا تفقد لغتها وهي تتعلم لغات الآخرين.

لقد كان الرجل يرفض أن تتحول آثار الاستعمار إلى سلوك اجتماعي مستمر بعد الاستقلال.

فالاستقلال السياسي، في تصوره، لا يكتمل إذا ظل الإنسان ينظر إلى ثقافته باعتبارها أقل قيمة، أو يقيس تقدمه بمدى اقترابه من النموذج الذي فرضه المستعمر.

ومن هنا فإن معركة التحرر الحقيقي تصبح معركة وعي, فالمطلوب أن نتعلم من الآخرين دون أن نذوب فيهم.

و أن نأخذ التكنولوجيا دون أن نستورد معها بالضرورة منظومة كاملة من القيم.

و أن نتقن اللغات الأجنبية دون أن نعتبر لغتنا عاجزة, وأن ننفتح على العالم دون أن نفقد القدرة على تعريف أنفسنا بأنفسنا.

و الأكثر دلالة أن الشيخ لا يكتفي بالحديث عن النطق أو اللغة، بل ينتقل إلى طريقة التفكير, وهنا تكمن المسألة الأعمق.

فالاستعمار الثقافي لا يعمل دائماً من خلال فرض لغة معينة، وإنما يمكن أن يستمر عبر جعل الإنسان ينظر إلى تاريخه ومجتمعه وثقافته من خلال عيون الآخر.

وهذا النوع من التأثير أكثر تعقيداً من الاحتلال المباشر، لأنه يجعل الإنسان أحياناً يحمل بعض التصورات التي فُرضت عليه دون أن يشعر بأنها مفروضة.

ولهذا كان مشروع الإبراهيمي وجمعية العلماء قائماً على إعادة بناء الإنسان الجزائري من خلال التعليم واللغة والتاريخ والدين والثقافة.

لذا فبعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، تغير العالم بصورة هائلة و لم تعد فرنسا وحدها مصدر التأثير الثقافي والفكري.

حيث دخلت الإنجليزية، والإسبانية، والإعلام العالمي، ومنصات التواصل الاجتماعي، والسينما، والألعاب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية إلى حياة الجزائريين.

وبالتالي فإن السؤال الذي طرحه الإبراهيمي يمكن أن يعاد صياغته اليوم:

هل نستطيع أن نكون منفتحين على العالم دون أن نفقد شخصيتنا؟

إنها ليست معركة ضد لغة أو شعب أو ثقافة، وإنما معركة ضد التبعية الفكرية أياً كان مصدرها.

فالجزائري الذي يتقن الفرنسية والإنجليزية والصينية والإسبانية، ويستخدم أحدث التقنيات، ويقرأ الإنتاج الفكري العالمي، ليس أقل جزائرية؛ بل قد يكون أكثر قدرة على تمثيل بلاده إذا كان يمتلك في الوقت نفسه وعياً راسخاً بتاريخه وثقافته ولغته.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram